عبد الملك الجويني

74

الشامل في أصول الدين

العلم القائم بنفسه : إما أن يعلم به . أو لا يعلم . به فإن لم يعلم به ، لم يكن علما ، وكان خارجا عن أجناس العلوم . ولو جاز وصف موجود معلوم بأنه علم ولا يعلم به ، جاز وصف جملة الموجودات بأنها علوم وإن لم يعلم بها . ولو جاز علم لا يعلم به ؛ جاز أن يعلم بما ليس بعلم . وهذا واضح مغن بوضوحه عن شرحه . وإن زعم الخصم أن العلم القائم بنفسه يعلم به . قيل له : فمن العالم به ؟ فإن زعم أن العالم به جوهر ، كان ذلك محالا . إذ لا اختصاص للعلم القائم بنفسه ببعض الجواهر ، وليس اقتضاؤه للحكم ببعضها أولى من اقتضائه لسائرها . وإذا كان العالم بالعلم نفس العلم ، أفضى ذلك إلى جحد الأعراض . فإنا أوضحنا [ ب ] الأدلة القاطعة أن العالم ذات وعلم زائد على الذات . فلو أثبتنا عالما لنفسه ، أدى ذلك إلى نفي الأعراض جملة . والكلام في قيام العرض بنفسه ، فرع لثبوت أصل العرض . وكل فرع إذا رفع أصله ، كان باطلا . وهذه الدلالة لا تستقيم على أصول المعتزلة من أوجه : منها أن الجبائي « 1 » وابنه اثبتا للرب إرادة وكراهة قائمتين بأنفسهما لا بمحل ، فإذا جاز قيام الإرادة بنفسها ، لزم تجويز ذلك في الأعراض . والذي يوضح ذلك : أن إرادة الباري سبحانه وتعالى على قضية أصولهم من جنس إرادة الخلق ، فإذا تعلقت إرادة العبد بمراد ، وتعلقت به إرادة اللّه ، فالإرادتان مثلان باتفاق من القائلين بإثبات الإرادة الحادثة للّه تعالى عن قولهم ، ولذلك حكموا بوجوب مماثلة علمنا لعلم اللّه لو أثبتنا له علما . فإذا وضح ذلك قلنا لهم : من حكم المثلين وجوب تماثلهما فيما يجب ويجوز من الصفات ، فإذا قامت إرادة لا بمحل ، وجب أن يقوم مثلها بمحل أيضا ، وهذا ما لا مخلص منه . ولا تستقيم هذه الدلالة على أصولها من وجه آخر ، وذلك أنهم أثبتوا الأعراض على خصائص أوصافها في العدم ، وهي قائمة بأنفسها مماثلة لما وجد ، فإذا جاز ثبوت عرض لا في محل ، ثبت هذا فيما يماثله . ومما يوضحه اضطراب الدلالة على أصولهم : أن من أركان الدلالة استحالة قيام العرض بموجودين ، وهذا غير مستمر لهم . فإنهم جوزوا قيام تأليف واحد بجزءين على ما

--> ( 1 ) محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبّائي أبو علي ( 235 - 303 ه - 849 - 916 م ) من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره . وإليه نسبة الطائفة « الجبائية » . له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب . نسبته إلى جبى من قرى البصرة . اشتهر في البصرة ، ودفن بجبى . له « تفسير » حافل مطول ، ردّ عليه الأشعري . الأعلام 6 / 256 ، ووفيات الأعيان 4 / 267 - 269 ، والبداية والنهاية 11 / 125 .