عبد الملك الجويني
72
الشامل في أصول الدين
للأوقات في النفي والإثبات ، ثم لم يكن ذلك لمقتض ولا لبطلان شرط ولا لقصد قاصد ، فهذا باطل بديهة . فهذه هي الدلالة التي عليها المعول . وقد ذكر شيخنا رضي اللّه عنه دلالة وجيزة مقتضية من هذه الدلالة التي بسطناها ، وذلك أنه قال : وجود القديم لا مقتضى له وفاقا ، وكل ما لا مقتضى له - وهو ثابت - فهو واجب . وإذا ثبت للقديم وجوب الوجود ، إذ لو كان خاص الوجود ، لافتقر إلى مخصص . ثم وجوب الوجود لا يتخصص بوقت دون وقت ، وهذا يستند إلى الدلالة السابقة ويعضدها . واعلموا - أرشدكم اللّه - أن هذا الأصل غير مستقيم على قواعد المعتزلة من أوجه : منها أن من أركان الدلالة استحالة تقدير ضد . والقول بالإعدام بالضد من مذهب المعتزلة ، فإنهم اتفقوا على أن السواد يعدم بطروء البياض ؛ وكذلك القول في كل ضدين . ومن أركان الدلالة منع التضاد من غير اجتماع في المحل ؛ وقد أفسد المعتزلة ذلك على أنفسهم حيث أثبتوا قضية التضاد بين الإرادة والكراهة الموجودتين في غير محل . وكذلك الفناء يضاد الجواهر ؛ وإن كان في غير محل . وليس يستقيم أيضا على أصولهم التمسك بإعادة القديم بعد عدمه ؛ كما منعهم إعادة كثير من الموجودات . فقد استبان اضطراب هذا الأصل على عقائدهم ؛ والذي لم نذكره من مناقضاتهم أكثر مما ذكرناه . وإذا توغلنا في المسائل الإسلامية ، أوضحنا مناقضاتهم فيها إن شاء اللّه ؛ فهذا أحد الفصول الثلاثة . فصل منع قيام العرض بالعرض فإن قال قائل : قد أسندتم كثيرا من كلامكم في إثبات حدث الأعراض إلى أن العرض لا يقوم بالعرض فما دليلكم على ذلك ؟ وبم تنكرون على تجويزه ؟ قلنا : الدليل على ذلك أن العلم لو جاز أن يقوم به ليكون عالما بالعلم القائم به ، جاز أن يقوم به جهل . إذ سبيل قيام أحدهما كسبيل قيام الثاني ، وما يقبل العلم والجهل لا يخلو عن أحدهما على ما سنوضحه في الأصل الثالث ، عند ذكرنا استحالة تعري الجواهر عن الأعراض . ثم الكلام في العلم القائم بالعلم كالكلام في العلم الأول ، فينبغي أن لا يخلو عن علم أو ضد ، ثم يتسلسل القول ويؤدي إلى إثبات حوادث لا نهاية لها . فهذا مما عول عليه الأئمة في منع قيام العرض بالعرض . وليس في الدلالة مطعن إلا أن يناقش مناقش ويزعم أن القابل للأعراض يجوز أن