عبد الملك الجويني

71

الشامل في أصول الدين

وإن زعم الخصم المطالب بالدليل أن العدم مجوز مع تجويز استمرار الوجود فنقول : إذا تقابل الجائزان ، فلو ثبت العدم ، لم يخل : إما أن يثبت لمقتض ، أو يثبت من غير مقتض . فإن ثبت لمقتض ، لم يخل ذلك المقتضى له : إما أن يكون طروء ضد لوجود القديم يتضمن نفيه ، وإما أن يكون ذلك بطلان بقائه ، وإما أن يكون ذلك بطلان شرط من شرائط وجوده ، وإما أن يكون ذلك لإعدام معدم . وباطل أن يقدّر العدم لطروء ضد من أوجه : منها أنه إذا كان الكلام في قديم قائم بنفسه ، فلا تتحقق المضادة فيه ، إذ التضاد إنما يتحقق بين معنيين يقدّر قيامهما بمحل واحد على ما سنوضحه عند ذكرنا التضاد إن شاء اللّه . والذي يقرر ما قلناه إنا لو قدرنا ضدا مؤثرا في عدم القديم ، لم يخل القول بعد ذلك ، إما أن نقول بعدم القديم ثم يوجد ضده ، أو يوجد الضد ، ثم يعدم القديم . فإن قلنا بعدم القديم أولا ، فلا أثر لطروء الضد في العدم ، إذ قد يتحقق العدم قبل الضد . وإن قدر وجود الضد أولا ، فقد اجتمع القديم وضده في وقت ، فلا يمتنع اجتماعهما في وقتين فصاعدا . فهذا لو قدرنا العدم لضد . ولو قدرناه لانقطاع البقاء ، كان ذلك محالا ، فإن بقاء القديم قديم ، وسبيل منع عدمه كسبيل منع عدم الباقي . ولو قدرنا العدم لانتفاء شرط من شرائط الوجود ، كان ذلك باطلا من أوجه : أحدها إن كان ذلك الشرط المقدر لا يخلو إما أن يكون حادثا أو قديما . فإن قدرناه قديما ، فيستحيل عدمه . وإن قدرناه حادثا ، كان محالا ، إذ الحادث مسبوق بوجود القديم . فإذا تحقق وجود القديم قبل شرطه ، فقد بان أن لا شرط له في وجوده ، إذ المشروط لا يعري عن شرطه ، وإن جاز عرو الشرط عن المشروط . فإن قال قائل : إن القديم يعدم بإعدام ، كان ذلك محالا . فإن العدم نفي محض ، والنفي ليس بمتعلق ، فافهموه . المحض لا يكون مقدورا إذ لا فرق بين قول القائل : قدر القادر على لا شيء ، وبين قوله : لم يقدر على شيء . وإيضاح القول فيه أن القديم قبل أن قدر عدمه ، لم تتعلق القدرة به . فإذا فرضنا الكلام في حالتي وجوده وعدمه ، وهو في وجوده غير مقدور ؛ فإذا انتفى ، فالقدرة لا تتعلق بغير متعلق . والنفي ليس بمتعلق فافهموه . وسنبسط القول في باب البقاء والفناء إن شاء اللّه تعالى . ولو زعم الخصم أن العدم والوجود جائزان ؛ وثبت العدم من غير مقتض ، كان ذلك خروجا عن المعقول وجحدا للضرورة والبديهة . فإن الذي وجد أزليا كان جائز العدم في كل وقت ، ثم يقدر عدمه في وقت مخصوص دون سائر الأوقات ، مع القطع بأن لا تأثير