عبد الملك الجويني

62

الشامل في أصول الدين

لتقدير عدمه مع تحقق وجوده . وكذلك يستحيل أن يكون المقدور إعدام معنى ، فإن العدم نفي محض ، وليس بأثر ، ومتعلق القدرة أثر . على أن فيما ذكروه التصريح بإثبات معنى قدّروا إعدامه ، وهو أقصى ما نطلب . فثبت أن المقدور هو المعنى الزائد على الذات . فإن قيل : هذه الدلالة لا تستمر على أصلكم مع مصيركم إلى إثبات قدرة حادثة لا أثر لها في المقدور ، ولكنها تتعلق بالمقدور تعلق العلم بالمعلوم ، فلا تستبعدوا على موجب ذلك أن تتعلق القدرة بذات الجوهر ، وإن كانت لا تتضمن تأثيرا فيه . فالجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن القدرة الحادثة تؤثر عند كثير من أئمتنا في المقدور ، على ما سنبسط القول فيه في أحكام القدر إن شاء اللّه . فاندفع السؤال عن ذلك . ومن أئمتنا من صار إلى أن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها ، وإلى ذلك صار شيخنا رضي اللّه عنه وهو التحقيق ، والسؤال معه مندفع أيضا . وذلك أن القدرة وإن كانت لا تؤثر في المقدور ، فيتميز للعاقل مقدوره ، مما ليس بمقدور له . وليس من شرط تمييز متعلق الوصف عن غيره أن يكون الوصف مؤثرا في متعلقه . والذي يوضح ذلك أن العلم ، وإن لم يؤثر في المعلوم ، فيعلم العالم عين معلومه ، وإن لم يؤثر علمه فيه . وكذلك يعلم المتمني والمشتهي تعلق تمنيه واشتهائه ، وإن لم يؤثرا في متعلقيهما . فإذا وضح ذلك قلنا : القادر يعلم قطعا أن قدرته لا تتعلق بجسمه وشخصه ، كما يعلم أنها لا تتعلق بكونه ، فإذا لم تتعلق بذاته ، وجب أن يثبت له متعلق زائد على ذاته ، واستمرت الدلالة . ومما نتمسك أن نقول : إذا أراد المريد حركة شخص وانتقاله ، وكره مكثه ولبثه ؛ فالإرادة والكراهية يستحيل تعلقهما بذات من أريدت حركته لوجهين : أحدهما : أنه يؤدي إلى أن يكره ما يريد ، إذ قد صورنا إرادة وكراهة ، وذلك يتناقض . والوجه الآخر : أن المريد يعلم قطعا أنه لم يرد عين من فيه الكلام من ذاته ويستيقن ذلك ، كما يستيقن أنه في إرادة الحركة غير مريد للسكون . وكذلك يعلم أن إرادته حركة زيد ، ليس إرادة لذاته على الاختصاص ، وكذلك سبيل ذلك في الأمر والطلب والاقتضاء . فنقول : إذا أمر الرجل غيره بالحركة ، واقتضاها منه ، فنعلم أنه لم يقتض عين ذاته ، وإذا خالف ، لم نوبخه على ترك ذاته ، بل آلت هذه الأمور إلى ما يزيد على الذات .