عبد الملك الجويني

63

الشامل في أصول الدين

وكذلك يتضح مثل هذا التقسيم في السماع فنقول : إذا رأى الرائي جسما ، ثم سمع صوته ، فالسماع لا يتعلق بالذات ، واسترد الكلام على ما سبق . وتكاد الأعراض تثبت ضرورة بهذه الطرق ، وتنزل الطرق منزلة الأمثلة في ذكر الضرورات . ومن هذا القبيل العلم بتزايد الأوصاف مع اتحاد الجواهر . فالذي توالت حركاته ، وقلّت فتراته ، يعلم ضرورة زيادة أفعاله بالإضافة إلى من قلّت حركاته . والتزايد لا يرجع إلى أنفس الجواهر ، فإنها غير متزايدة في الصورة التي رمنا الكلام فيها . ومن أقوى ما نتمثل به الأفعال ، فلا يعقل فعل لا فاعل له ، ولا فاعل لا فعل له ؛ ثم يستحيل كون ذاته فعله . وكل طريقة من هذه الطرق تنبسط . لو بسطت ومن عرف لو بسطت سبيل بسط الدلالة الأولى ؛ هان عليه درك ما عداها . ومن العبارات التي ارتضاها الأئمة التعرض للنفي والإثبات ، وذلك أنهم قالوا : الخبر ينقسم في مجاري الكلام ، فمنه ما يسمى إثباتا ؛ ومنه ما يسمى نفيا . والإثبات : كل خبر يتضمن مخبره ، إذا كان صدقا حقا . والنفي : كل خبر يتضمن انتفاء مخبره ؛ إذا كان صدقا . فإذا وضح ذلك ؛ رتبنا عليه غرضنا وقلنا : إذا قال الصادق : هذا الجوهر متحرك ، وليس بساكن ، فقد نفي وأثبت ، والخبران صدقان ، فيستحيل انصراف مقتضاهما إلى ذات الجوهر ، إذ لو كان كذلك ، للزم انتفاؤه وثبوته . وذلك يتناقض . فاستبان رجوع أحدهما إلى ثبوت الحركة ، ورجوع الثاني إلى نفي السكون . وربما وجّه على هذه الأدلة من الأسئلة ما وجه على الدلالة الأولى . وقد تقدمت طرق الانفصال عن كل سؤال . والذي رآه ابن الراوندي في السؤال أن قال : سبيل ما قلتموه من النفي والإثبات ، سبيل قول القائل هذا سواد ، وليس بحركة ، فليس يتضمن القول بأنه ليس بحركة نفي ذات . والذي قاله تمويه ، فإنا لا نتمسك بصيغ الأقوال ، وإنما نتمسك بمعانيها . فرب كلام فيه نفي ، والغرض منه إثبات ، وكذلك عكس ذلك . والذي تمثل به ، وإن كان في معرض النفي ، فالمراد به الإثبات ، وإن القائل إذ قال : ليس السواد حركة ، إنما يريد بذلك أنه خلاف الحركة . والدليل عليه أن قول القائل : هو خلاف الحركة ، يفيد ما يفيد قوله : إنه ليس بحركة . وليس يتحقق مثل ذلك فيما اعتصمنا به ، فإن قول القائل : هذا الجوهر ليس بساكن فليس ينبئ عن تثبيت مخالفة هذه الذات لذات أخرى ، فلم اقتضت اللفظة نفي صفة عن ذات الجوهر ، من غير تعرض لذات أخرى تخالف هذه ، وهذا بيّن لكل متأمل . على أنا لو حملنا قول القائل : ليس بساكن على المخالفة ، قادنا ذلك إلى عين مرامنا