عبد الملك الجويني

51

الشامل في أصول الدين

فصل [ ما صفات الجوهر ؟ ] اعلموا أن للجوهر صفات واجبة وصفات جائزة . فأما ما يجب له ، فالتحيز وصحة قبول العرض . وذكر بعضهم القيام بالنفس وأباه بعض الأصوليين ، وسنعقد في ذلك بابا إن شاء اللّه . وأما ما يجوز على الجوهر فوجود أغيار الأعراض فيه ، وأما حدوثه ووجوده فراجعان إلى نفسه وليسا صفتين زائدتين وإن أثبتنا الأحوال . فإن قيل : فما الذي يستحيل على الجوهر ؟ [ قلنا ] : يستحيل خروجه عن صفة نفسه ، فإن فيه انقلاب جنسه . فإن قيل : أوضحوا ما يجوز قيامه من الأعراض بالجوهر الفرد ؟ قلنا : كل ما يقوم الجوهر مع غيره ، يقوم به إذا انفرد ، إلا المماسة ففيها كلام وتفصيل ، يأتي الشرح عليها في الأكوان إن شاء اللّه . ثم إن كان الجوهر غير موصوف بالحياة فيقوم به ضد الحياة ولون وكون وطعم وريح ، هذا ما اتفقوا عليه . ولو قامت الحياة به وضادت الموت ، فتقوم بالحيّ أجناس من الأعراض كالعلم أو أحد أضداده ، والإرادة أو أحد أضدادها ، والادراكات أو أضدادها على ما سنشبع القول فيها في الأعراض ، إن شاء اللّه . وهذه جمل وجيزة تحيط بالمقصد من أحكام الجواهر ، ونحن الآن نخوض في تمهيد حدث العالم [ وهذا ] يستند إلى أصول : منها إثبات الأعراض ، ومنها إثبات حدثها ، ومنها إثبات استحالة تعري الجواهر عنها ، ومنها إيضاح الرد على من يثبت حوادث لا نهاية لها . ثم إذا ثبتت هذه الأصول فيعلم قطعا أن ما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها ، وما لا يسبق الحوادث حادث . فهذه أصول حدث العالم . وأولاها بالتقدم إثبات الأعراض ، فإن الكلام في أحكامها فرع لثبوتها . القول في إثبات العرض اعلموا عصمكم اللّه أن العرض ينبئ في إطلاق اللغة عن ما يعرض ، ولا يدوم مكثه ، وعليه تدل آي من كتاب اللّه ، منها قوله تعالى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا [ الأنفال : 67 ] . فوصف الدنيا من حيث إنها كانت دار زوال وانتقال ، بكونها عرضا . وقال تعالى ، مخبرا عن عاد وقد أظلهم العذاب : قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [ الأحقاف : 24 ] . وعنوا بذلك أنه