عبد الملك الجويني
52
الشامل في أصول الدين
سحابة ، تساق ، وستنقشع عنا ، كالذي عهدناه في كل سحاب . العرض عند المتكلمين والعرب تسمي الأعراض التي لا تحسبها لازمة أعراضا . فإن قيل فما المعنى بالعرض في اصطلاح المتكلمين ؟ قلنا : اختلفت عبارات أهل الحق في حد العرض ، وجملتها راجعة إلى محصول واحد . فمنهم من قال : العرض ما لا يبقى وجوده ، وهذا يجمع أجناس الأعراض وينفي منها ما ليس منها ، إذ الجوهر مما يبقى وجوده ، والرب تعالى مما يجب له البقاء وكذلك صفاته ، فاطرد الحد في طرده ، وانعكس في عكسه ، وأنبأ عن خاصية الأعراض . وهذا الحد لا ترتضيه المعتزلة ، إذ من أصلهم القول ببقاء معظم الأعراض . وعبر بعض الأئمة عن حد العرض فقال : هو الذي يقوم بغيره ويخرج من الحد الجواهر ، ولا تندرج فيها صفات الباري سبحانه وتعالى ، فإنها لا تقوم بغيرها . ولو قلت : العرض ما يقوم بالجوهر ، كان أوضح . ولا يستقيم ذلك على أصول المعتزلة ، فإنهم أثبتوا الأعراض في العدم غير قائمة بالجواهر ، فإن زادوا في الحد : وقالوا : العرض ما يقوم بالجوهر في الوجود ، فسبيل نقض ذلك كسبيل نقض قولهم في الجوهر إنه المتحيز في الوجود . على أنهم أثبتوا أعراضا في الوجود ، لا تقوم بمحال : منها إرادة اللّه وكراهته ، وقوله كن للحوادث على مذهب أبي الهذيل ، ومنها الفناء الذي هو ضد للجواهر . وعبّر بعض الأئمة فقال : العرض ما كان صفة لغيره ، وهذا تأباه المعتزلة أيضا بقولهم : إن الصفة والوصف يرجعان إلى قول الواصف ، وليس العرض صفة لمحله على أصولهم ، وسنتكلم في ذلك بأبلغ مرام عند فراغنا من إثبات الأعراض والرد على منكريها إن شاء اللّه . والإسلاميون بأجمعهم أثبتوا الأعراض على الجملة ، وإن اختلفوا في التفاصيل ولم يخالف في أصل إثباتها من المنتمين إلى الإسلام إلا ابن كيسان الأصم « 1 » ، فزعم أن العالم كله جواهر . وعن النظّام أنه قال : الجواهر عنصرها الأعراض ، وهي هي بأعيانها - إلا الحركة - فإنها تعرض على الجوهر ، وليست من الجوهر .
--> ( 1 ) محمد بن أحمد بن إبراهيم ، أبو الحسن ، المعروف بابن كيسان ( . . . - 299 - . . . - 912 م ) عالم بالعربية ، نحوا ولغة ، من أهل بغداد . أخذ عن المبرد وثعلب . من كتبه « تلقيب القوافي وتلقيب حركاتها » و « غريب الحديث » و « معاني القرآن » وغير ذلك . الأعلام 5 / 308 ، وشذرات الذهب 2 / 232 .