عبد الملك الجويني
47
الشامل في أصول الدين
تقتضي ذلك ، على ما سنشرحه إن شاء اللّه . فلم يستقم نفي الشكل مع تثبت شبهه ، ولكنه قال : الجوهر ليس بشكل ولا يشبه شكلا ، بل هو جزء من شكل ، إذ انضم إليه غيره ، ثم الأشكال عند تقدير الانضمام ، تجوز جميعا . فإن قيل : إذا جاز أن نثبت له حظا من المساحة على تقدير انضمامه إلى غيره ، وإن لم يكن ممسوحا في تفرده ، فيجوز أن يطلق مثل هذا القول في الشكل . قلنا : الجوهر الفرد له حظ ثابت في المساحة غير موقوف على انضمام غيره إليه ، وله قدر ، غير أنه ليس لقدره بعض ، والجوهر يقدر بالجوهر . فصل [ هل يفتقر الجوهر إلى مكان ؟ ] الجوهر غير مفتقر إلى مكان ، إذ لو افتقر إليه لكان مكانه جوهر . ثم يتسلسل القول في مكانه ومكان مكانه ، فيجوز عليه المكان ولا يجب له . فصل [ الجوهر باق غير متجدد ] الجوهر باق غير متجدد . وذهب النظّام إلى أنه متجدد حالا فحالا كالأعراض عندنا . وهذه المسألة تتعلق بالتي قبلها ، وهي أن الجوهر عين الأعراض . فإن بنى الخصم الكلام عليها انتقلنا إليها . ثم قال المحققون : إن فساد ما قاله النظّام ، معلوم ضرورة ، فإنا نضطر إلى أن الذي ختمنا معه الخطاب ، هو الذي فاتحناه في الخطاب ، ولا تتنزل مخاطبة الشخص الواحد منزلة تقطيع خطاب وتوزيعه على مخاطبين ، وهذا مذهب النظّام . فالذي صار إليه يفضي إلى لا يحيا ميت ولا يكون حيّ ، فإن الذي مات ، غير الذي كان حيا قبل موته . وكذلك القول في جملة الأعراض . ويلزم أيضا أن يجوز كون الشخص في حالتين متعاقبتين بالمشرق والمغرب بأن يوجده اللّه في أقصى المشرق . ثم يوجده اللّه في الحالة الثانية في أقصى المغرب ، وكل ذلك خلاف الضرورات . ثم نقول : ما الذي يحيل جواز استمرار الجوهر في وجوده ، وما المانع لتجويز دوامه ؟ فلا يرجع إلى محصول عند هذه الطلبة . فإن عارضنا بالأعراض ، فسنتكلم في استحالة بقائها ، وفي الفرق بينها وبين الجواهر عند ذكرنا البقاء والباقي إن شاء اللّه .