عبد الملك الجويني

48

الشامل في أصول الدين

فصل [ الجواهر لا تتداخل ] ما صار إليه أهل الحق أن الجواهر لا تتداخل ولا يجوز وجود جوهر بحيث ذات جوهر آخر ، وإن أطلق في التجاوز تداخل الجواهر واختلاطها ، فالمعنى بذلك تجاورها . وذهب النظام إلى تجويز تداخل الجواهر فقال : إذا تحيزت جملة ، فيجوز وجود جملة بحيث وجودها ، وهذا الذي قاله قريب من جحد الضرورات ، فإنا لو جوزنا تقدير جملة بحيث وجود جملة ، لم تكن جملة واحدة أولى من جمل ، ويلزم على طرد ذلك تجويز وجود جملة أجزاء العالم في جزء خردلة ، وهذا لا ينتهي إليه غافل . على أنا نقول : إذا كنت تسوغ ما قلته ، فما يؤمنك أن تكون الخردلة التي تشاهدها قد داخلتها أفراد جمل لو لم تتداخل ، لكانت جبالا ؟ ! ثم من جوز تداخل جملتين يجوز انفصالهما بعد تداخلهما . فإذا لزمك أن تكون الخردلة الواحدة قد داخلتها أجرام لا تحصى ، فينبغي أن تجوز أن تنفصل منها الأجرام الكثيرة . ونحن نعلم أن من انتظر خروج أضعاف جبال العالم من خردلة من غير أن يحدث حادث فقد جحد البداءة . ثم نقول : إذا قامت جملة بيضاء بجملة سوداء ، ورؤيتا في حيز جملة واحدة أفترى بيضاء أم سوداء ، أم ترى على الصفتين جميعا ؟ فإن زعم الخصم أنها ترى على الصفتين فقد جحد الضرورة ، وإن زعم أنها ترى على إحدى الصفتين فليست إحداهما أولى من الأخرى . فإن قال : السواد والبياض يتضادان ، كان ذلك غير مستقيم . فإن العرضين إنما يتضادان على المحل ، ولا يتضادان على المحلين ، والجملتان ، وإن تداخلتا ، فهما جملتان ، إذ لم تعدم إحداهما . فإن تجاهل متجاهل ، وزعم أن الجملتين صارتا واحدة لا عن عدم إحداهما ، كان ذلك أبعد من كل ما طولبوا به . فإنهم إذا أثبتوا جملتين لهما الوجود ، ثم لم ينتف وجود إحداهما ، فكيف ثبتت جملة ، وانتفت أخرى ؟ ثم نقول : هذه الجملة المشاهدة هي الداخلة أو المدخول فيها ، أم غيرهما ؟ أو هي الداخلة والمدخول فيها معا ؟ فإن كانت هي الداخلة ، فأين المدخول فيها إذ لم تعدم ؟ وإن كانت هي المدخول فيها فأين الداخلة ؟ وإن كانت جملة غيرهما ، فأين الجملتان ؟ وإن كانت