عبد الملك الجويني
41
الشامل في أصول الدين
تجوّز بطلان صفات أجناسها وانقلابها عنها ؟ فإن جوزوا ذلك ، اتسع عليهم الخرق ، ولزمهم تجويز انقلاب السواد بياضا ، والجسّ طعما ، وغير ذلك مما يلزمهم عليه تسليم المسألة ، حتى يقولوا خرجت الأعراض عن جنسها ، وانقلبت جوهرا وذلك الجوهر خلاف الأعراض ، وهذا تصريح بتسليم المسألة . والذي يوضح ذلك أن الأعراض ما كانت مجموعة فما كانت إلا جوهرا ، وإن منعوا انقلاب الأجناس ، قيل لهم : فالعرض الواحد لا يتحيز لنفسه ، ثم يثبت للأعراض حكم التحيز عندكم ، وخرج عما كان له من الحكم في اتحاده ، فليس بعض الأوصاف بالخروج عنها أولى من بعض . ثم اعلموا أن للأعراض أحكاما : منها أنها لا تقوم بأنفسها ، وتفتقر إلى حل غيرها ، ومنها ، أن لا تبقى ، ومنها أنها لا تتحيز . فتشبث بأية صفة من صفات الأعراض شئت ، وقرر استحالة خروجها عنها . ثم إذا وضح أن الجوهر على خلاف صفات الأعراض ، فتترتب لك أدلة هذا مسلكها . وإن سمح الخصم ببطلان بعضها ، لزم بطلان سائرها ، فلا يجد إلى الفصل سبيلا . ومما نتمسك به أن نقول : الجوهر إذا قامت به حركة ، فلا يخلو إما أن تقوم الحركة بجميع الموجودات التي هي أعراض أو تقوم بواحد منها . فإن قامت بواحد منها ، فينبغي أن لا يثبت حكم التحرك لجميعها . كما لو قامت حركة بجوهر ، لم يثبت حكم التحرك لغيره . وإن زعم الخصم أن الحركة تقوم بجميع الأعراض ، ففيه وجهان من الإحالة : أحدهما : قيام العرض بموجودات ، ولو جاز ذلك لجاز قيام عرض بجواهر العالم . والوجه الآخر : أن العرض لا يقوم بالعرض على ما سنوضحه في أقسام الأعراض . ونطرد عليهم قريبا من هذا المنهج في تضاد الضدين على الجوهر الواحد ، ونقول : أيتضادان على موجود أو موجودات ؟ فإن تضادا على موجودات ، كان محالا ، إذ لو جاز ذلك ، لجاز تضادهما على جوهرين كتمنع سواد جوهر بياض آخر . وإن كانا يتضادان على موجود واحد ، كان محالا ، إذ الذي نسميه جوهرا واحدا موجودات عند الخصم . واعلموا - وفقكم اللّه - أن شيئا مما ذكرنا لا يستقيم على أصول المعتزلة ، إذ مرجع جميع الأدلة إلى شيئين : أحدهما : استحالة خروج الشيء عن وصف نفسه . والثاني : استحالة قيام موجود بموجودات .