عبد الملك الجويني

42

الشامل في أصول الدين

وكلاهما لازمان على أصول المعتزلة . فإنهم أثبتوا أعراضا في العدم قائمة بأنفسها . ثم إنهم التزموا قيامها بغيرها في الوجود ، وأثبتوا جوهرا غير متحيز ، ثم أثبتوه متحيزا ، فأبطلوا على أنفسهم الأصل الثاني حيث قالوا : العلم يقوم بجزء من الجملة ، والعالم به الجملة ، فلا يبعد على أصولهم قيام الحركة ببعض الموجودات والحكم منها للجميع . ومما نستدل به أن نقول : الجوهر الفرد إذا قام به جزء من الحياة ، وضاد ما كان فيه من الجمادية أو الموت ، فتقوم به ضروب من الأعراض : علوم ، واردات ، وقدرة ، وألم ، والادراكات الخمس ، إلى غير ذلك من أوصاف الحياة . وهذه الأعراض التي زادت لم تقتض للجوهر زيادة في التحيز ، فلو كانت الأعراض عند اجتماعها مؤثرة في التحيز ، لأثرت هذه الأعراض الزائدة حيزا آخر غير التي التزمناها . فإن تجاهل الخصم وزعم أن التحيز يزداد ، كان ذلك باطلا ، إذ كان الجوهر الفرد شاغلا جزءا واحدا ، ولو شغلت هذه الأعراض الزائدة حيزا آخر ، لصارت هذه الأعراض جوهرين . وهذا باطل ، إذ كل جوهر ليس يخلو عند الخصم عن لون وكون وطعم ، ولم يوجد فيما ألزمناه إلا طعم واحد ، فكيف ينقسم الطعم الواحد على جوهرين ! ! وهذا من أقوى الأدلة ، وهو غير مستقيم على مذهب المعتزلة ، فإنهم يمنعون قيام الحياة بالجوهر الواحد ، ويشترطون في ثبوت الحياة بنية مخصوصة على مذهب الطبائعيين . شبه الخصم فإن استدل من زعم أن الجوهر أعراض مجتمعة بأن قال : لو قدرنا انتفاء الأعراض ، كان في تقدير انتفائها انتفاء الجوهر ، وكذلك لو قدرنا عدم الجوهر ، استحال مع هذا التقدير بقاء الأعراض ، فدل على أن الأعراض عين الجوهر . الجواب عما قالوه من أوجه : أولاها بالتقديم أن نقول : ما من ضرب من ضروب الأعراض نشير إليها ، إلا ويجوز عندنا تقدير عدمها مع بقاء الجوهر ، بأن يعقبها أمثالها أو أضدادها المخالفة لها . فبطل ما ادعوه من أن الأعراض لو عدمت ، عدم الجوهر . على أن ما قالوه يبطل عليهم بآحاد الأعراض ، فإن اللون لو عدم عدم الجوهر ، ثم لم يدل ذلك على أن الجوهر هو اللون . فإن رجعوا وقالوا : ما من لون إلا ويجوز تقدير عدمه ، بأن نثبت مثله أو ضده المخالف له ، فلم يلزم ثبوت لون .