عبد الملك الجويني
40
الشامل في أصول الدين
والدليل على الرد عليهم أن نقول : الجوهر متحيز وفاقا ، فلا يخلو خصومنا في العرض الواحد ، إما أن يقولوا : أنه متحيز شاغل للحيز ، له قدر من المساحة ، أو يأبون ذلك . فإن أثبتوا العرض الواحد متحيزا ، كان ذلك باطلا من وجهين : أحدهما : أنه لو كان متحيزا ، لاختص ببعض الجهات ، ولافتقر إلى كون يخصصه وفيه تجويز قيام العرض بالعرض ، وسندل على منعه إن شاء اللّه . والآخر : أن حقيقة الجوهر المتحيز ، فمن أثبت متحيزا فقد أثبت جوهرا ، وآل الكلام معه إلى التسمية والتناقش فيها . ثم إذا ثبت موجود متحيز ، وهو الجوهر عندنا ، ثبت في باب الأعراض حادثا لا يتحيز ، وهو العرض . وإن سلم الخصم أن العرض الواحد لا يتحيز ، فإذا قدّر اجتماعهما ، قيل له : لا تخلو الأعراض إما أن وجدت بحيث عرض واحد ، وإما أن وجد كل عرض بحيث نفسه . فإن وجدت الأعراض بحيث عرض واحد ، فذلك الواحد متحيز أم غير متحيز ؟ ( فإن كان متحيزا ، فهو جوهر قامت به أعراض ، سماه الخصم عرضا ، وإن كان ذلك الواحد غير متحيز ) فالذي وجد بحيث هو في حكمه قطعا . وإن زعم الخصم أن الأعراض لا توجد بحيث عرض واحد ، بل يوجد كل عرض بحيث نفسه ، فلا معنى لاجتماعها ، فإن كل عرض منفرد بنفسه . وإذا ثبت أن أفرادها لا تتحيز ولا تشغل الأحياز ، فلا يتصور فيها التضام ، إذ إنما يتصور التضام عن موجودين مختصين بحيزين ليس بينهما تقدير حيز آخر لموجود ، فوضح بطلان ما قالوه من كل وجه . ومما تمسك به شيخنا رضي اللّه عنه أن قال : من وصف العرض الفرد بأن لا يتحيز ، فإذا اجتمع فلا تخلو الأعراض المجتمعة إما أن تكون متماثلة أو مختلفة ، متضادة أو مختلفة ، متضادة أو مختلفة غير متضادة . فإن كانت متماثلة كان باطلا من وجهين : أحدهما : أن الحكم الذي لا يثبت بالشيء لا يثبت بأمثاله . والدليل عليه أن الحياة الواحدة لما لم توجب حكما للعالمين ، لم يوجب هذا الحكم جملا من الحياة أيضا . والوجه الآخر : أنه ليس بعض الأعداد أولى بالاعتبار من بعض مع التماثل ، فإذا زعم الخصم أن الجوهر عشرة من الأعراض المتماثلة ، لم يكن قوله في ذلك أولى من قول من يقول تسعة أو أحد عشرة . وإن زعم الخصم أن الأعراض مختلفة متضادة ، كان ذلك محالا ضرورة ، فإن حكم الضدين ، لا يتحقق في الجوهر الواحد وفاقا . وإن زعم أنها مختلفة غير متضادة قيل له : هل