عبد الملك الجويني
39
الشامل في أصول الدين
انتفاء بعضها ، وجب تجويز انتفاء جميعها . ثم إذا انتفت الاجتماعات جملة ، لم يبق تجميع ، إذ لا مجتمع إلا باجتماع . ويعضد هذه الدلالة نكتة لا مخلص للخصم منها ، وهي أن الاجتماع المنتفي غير متناه عند الخصم ، فإذا جاز انتفاء اجتماعات لا تتناهى ، فما المانع من ذلك في كل اجتماع ! ولا يخلص الخصم من ذلك شيء إلا نفي الأعراض ، وسندل على إثباتها . ومما نستدل به نقول : إذا ثبت بالاتفاق أو بالدليل عند تقدير النزاع أن الاجتماعات معان ، وفرضنا الكلام على المنتمين إلى الإسلام فنقول : الرب سبحانه وتعالى عالم بالمعلومات على تفاصيلها ، متعال عن العلم بها على الجملة ، إذ العلم بالجملة يقارنه الجهل بالتفصيل . فإذا وضح ذلك ، قسمنا الكلام على الخصم ، وقلنا : أيعلم الرب اجتماعا واحدا ، أم لا يوصف الرب بالعلم به ؟ فإن سلم الخصم بأنه يعلم اجتماعا واحدا ، فمن المستحيل قيام اجتماع بمجتمعات لا تتناهى ، إذ لو ساغ ذلك لوجب الحكم بأن جملة المجتمعات في العلم اجتمعت بالاجتماع الواحد ، فإذا افترق بعضها لزم الحكم ببطلان الاجتماع لمضادة الافتراق إياه . ويلزم القطع ببقائه من حيث لم تفترق جملة أجزاء العالم . وإن زعم الخصم أن الرب تعالى لا يعلم اجتماعا واحدا ، كان ذلك منعا للعلم بالتفصيل ، إذ الجمل التي لا تتناهى ، يعلم الرب تفاصيلها . ولا مخلص للإسلاميين من ذلك . ثم نقول للنظّام : إذا جوزت وجود ما لا يتناهى من الحوادث ، ولم تستبعد دخولها في الحدوث ، فما الذي يحجزك عن أن تقول : إن مقدورات الباري يجوز وجودها دفعة واحدة ، وإن انتفت النهاية عنها ؟ ونقول أيضا له : من أعظم أركان الدين منع انقضاء حوادث لا نهاية لها ، ولا تستمر دلالة حدوث العالم دون إثبات ذلك ، وفيما صرت إليه ما يفضي إلى تجويز انقضاء حوادث لا نهاية لها ، فإنك تجوز أن تبتدئ خلق الأجسام ، ثم تقدر انقضاء خلقها ، وإن كانت لا تتناهى أجزاؤها ، والرب تعالى يخلقها ترتيبا . ولنفاة الجزء شبه تتعلق بأحكام الأكوان ، رأينا تأخيرها ، لنشبع القول فيها في الأكوان إن شاء اللّه . مسألة [ الجوهر موجود متحيز غير لأعراضه القائمة به ] الجوهر عند أهل الحق موجود متحيز غير لأعراضه القائمة به . وذهب النظّام والنجّار إلى أن الجوهر أعراض مجتمعة ، وهو عين الأعراض ، وإلى ذلك مال بعض الفلاسفة .