عبد الملك الجويني
38
الشامل في أصول الدين
وشد طرفه الآخر بدلو ، واستقر الدلو في قعر البئر ، والبئر مائة باع مثلا ، والخشبة على شطر عمقها والحبل كذلك ، فلو أرسلت حبلا شد في طرفه كلاب حتى انتهى إلى الخشبة ، واحتوى على الحبل المعلق بالخشبة ثم جذبت الدلو بالحبل الذي في طرفه الكلاب إليك ، فتعود الكلاب إليك مع الدلو ، فقد قطع الكلاب خمسين باعا والدلو مائة باع ، وما ذاك إلا لطفرة الدلو أكثر مما طفر الكلاب . وهذا الذي قاله هوس ، وذلك أنا نقول : إنما ارتفع الدلو بسرعة حركته وقلة فتراته . والكلاب أبطأ ، وذلك يتبين من مرأى العين ، وهذا كالقطب يدور بالرحى تكاد تخطف الأبصار من سرعة الحركة ، وذلك لأن أقصى الرحى يحتاج إلى قطع دائرة تكسيرها عشرة من الذرعان ، في المدة التي يقطع القطب فيها شبرا في شبر . ومما نستدل به عليهم أن نقول : إذ نظر الناظر إلى جسم صغير وجسم كبير ، فيعلم اضطرارا أن أحدهما أكبر من الآخر ، ومن أبدى في ذلك ريبا قطع الكلام عنه . فإذا استيقنا ذلك فلا يخلو التفاضل في الكبير والصغير ، إما أن يرجع إلى كثرة الأجزاء ، وإما أن لا يرجع إليه . فإن رجع إلى كثرة الأجزاء ، فقد بان تناهي الجسم . إذ لو كان كل واحد من الجسمين غير متناهي الأجزاء ، لما تصور كون أحدهما أكثر أجزاء من الآخر ، إذ نفي النهاية ينافي النقصان . فلو كان أحدهما أكثر أجزاء ، لكان الثاني أنقص أجزاء ، ووضوح ذلك يغني عن تقريره . وإن زعم الخصم أن العظم والكثرة لا ترجع إلى عدد الأجزاء ، وإنما ترجع إلى عظم الأجزاء في أحد الجسمين ، وصغرها في الجسم الآخر . وهذا الذي قاله باطل مضمحل ، فإن الذي ألزمناهم في الجسمين يلزمهم في جزئي الجسمين . فنقول : لم كان أحدهما أعظم من الآخر ؟ فلا يجدوا عن ذلك مخلصا . على أن الذي قالوه ، قريب من جحد الضرورة . فإنا إذا صورنا الكلام في جسمين متماثلين في الصغر والكبر ، ثم نضم إلى أحدهما أمثالا فنعلم وصف أحد الجسمين حقيقة أنه أكبر من الآخر ، والجسم الأول لم يتغير عما عهدناه . فعرفنا قطعا أن وصف الكبير ثبت لانضمام زوائد الأجزاء ، وهذا ما لا يجحده إلا معاند . ومما استدل به شيخنا رضي اللّه عنه أن قال : ثبت عندنا بالأدلة القاطعة أن المجتمع مجتمع باجتماع ، ومن أنكر ذلك تنصب عليه أدلة إثبات الأعراض . فإذا ثبت ذلك ، فالافتراق مجوّز بالاتفاق . إذ الجملة المركبة إذا انتفت ، فقد انتفت اجتماعات فيها باضدادها من الافتراقات ، وسبيل تجويز انتفاء جميع الاجتماعات ، كسبيل ذلك في بعضها ، فإذا جاز