عبد الملك الجويني

372

الشامل في أصول الدين

المصير إلى تعميم القول في الأعراض ، وأنها توجب لمحالها أحوالا من غير فصل بين الأكوان وغيرها ، وبين ما تشترط فيه الحياة وما لا تشترط فيه الحياة . وألحق أبو هاشم التأليف في الأكوان باقتضاء الأحوال . وقد قدمنا في التأليف قولا بليغا . ومما يليق بالأحوال أنّا إذا وصفنا شيئا بالوجود ، ثم أثبتنا له بعد وصف الوجود صفاتا نحو كون الجوهر متحيزا وكون العرض علما أو جهلا أو إرادة أو قدرة ، فهذه الصفات الزائدة على الوجود أحوال عند مثبتيها ، وهي عند نفاتها أنفس الذوات وأعيانها . والذي يضبط ذلك أن الأحوال عند مثبتيها تنقسم إلى : ما يعلل ، وإلى ما لا يعلل ، وأما ما يعلل فهو الأحوال الثابتة للذوات من المعاني القائمة بها ، وقد قدمنا وجوه المذاهب فيها . ومن الأحوال ما لا يعلل بمعنى قائم وبمحل ، فوجه الضبط فيه أن نقول : كل وصف لا يرجع إلى نفي ولا يتناقض العلم بوجود الموصوف مع الجهل به فهو حال ، وهو يحوي جملة صور الباب إلى أن تأتي مفصلة . وإيضاح ذلك بالمثال طردا وعكسا : أن كون الجوهر متحيزا ، وصف غير راجع إلى النفي . ولا يبعد العلم بوجود الجوهر مع الجهل بهذا الوصف ، فهو لا جرم حال . فلو قال قائل : هل يكون الحدوث حالا ، فإنه وصف لا يبعد جهله مع العلم بوجود الذات ؟ قلنا : الحدوث عند المحققين ليس بحال ، فإنه ينبئ عن نفي ، وذلك لأن الحدث يتعلق بعدم سابق وقد قدمنا في الحدوث ومعناه ما فيه إقناع ، فأحيطوا بما ذكرناه علما . فإن قال قائل : بينوا الصحيح من المذهبين ، واحذفوا التردد من الكلام . قلنا : الذي يقوى عندنا إثبات الأحوال ، وهذه مسألة عظيمة الشأن ، تستند إليها أحكام العلل وهي أصول الأدلة ومآخذ الحقائق . ويعظم خطرها من حيث تنطوي على مخالفة معظم الأصحاب . وقد ينسب القاضي القول بالأحوال إلى شيخنا استنباطا منه من قضية كلامه . والذي ينبئ عنه كلام شيخنا في مصنفاته نفي الأحوال ، والذي يدل على إثباتها أوجه : أولاها بالتقديم : أن نفاة الأحوال من المعتزلة وأهل الحق تشبثوا بالعلل وربطوا بها الأدلة . وصدر كافة أهل الحق إثبات الصفات بطريق العلل ووجوب اطرادهما . ولم يصر أحد من المحققين إلى إبطال العلل . والأولى بنا أن نوضح أولا بطلان القول بالعلل ، مع نفي الأحوال ، ونحسم عنها أطماع نفاة الأحوال ، فنقول : إذا قلنا العلم علة في كون العالم عالما ، معلول موجب بالعلة ، لم يخل القول في الموجب : إما أن يكون هو الحال ، وإما أن يكون هو الذات التي قام العلم بها ، وإما أن يكون ذلك آئلا إلى تسمية المحل عالما . فإن كان ذلك حالا ، فهو مطلبنا ومرامنا . وإن كان المعلول محل العلم ، كان ذلك محالا بإطباق