عبد الملك الجويني
373
الشامل في أصول الدين
أهل التحقيق ، إذ الذات لا تعلل بالعلم ، ولو عللت به لم تسبقه . إذ المعلول لا يسبق علته . ولا معنى للإطناب في إبطال ما وقع الإطباق على بطلانه ، وإن زعموا أن المعلول هو تسمية الذات عالما ، وإلى ذلك يصير كثير من الأئمة ! ! وهذا الذي ارتضاه الأستاذ أبو بكر في كتاب تصفح فيه أحكام العلل للقاضي ، ورام نقض شيء منها . ونحن نتتبع تصفحه حرفا حرفا ، ونوضح زلله في نقضه كلام القاضي ، بحيث يدركه المنتهي والشادي ، مستعينين باللّه جلت قدرته . والذي ذكره من أن المعلول تسمية الذات عالما ، ظاهر البطلان . فإن التسمية سبيلها اللغة والمواضعة ، ويجوز تقدير انتفائها ، ويجوز تقدير تبدلها وثبوت أبدالها بعد تقدير زوالها . والعلل العقلية توجب أحكامها ، ولا يجوز ثبوتها مع انتفاء أحكامها . فلما لم يبعد ثبوت العلل مع انتفاء التسميات وارتفاض أهل اللغات ، استحال لذلك كون العلم علة في تسميته ، وهذا ما لا محيص منه . ومما يوضح ما قلناه : إن التسمية قول ظاهر من الأقوال ، وهو ذات من الذوات . وسنقرر في أحكام العلل أن الذوات لا تعلل . والذي يوضح ذلك أن من شرط المعلول اختصاصه بمن قامت به العلة . والتسمية التي هي قول ربما لا يتصف بها من قام العلم به . ومن المستحيل أن يكون العلم القائم بمحل علة في قول قائم بغيره . فقد وضح بطلان كون التسمية معلولة . وإن تعسف متعسف وزعم أن العلم علة في كون العالم عالما ، وكون العالم عالما نفس العلة ، كان ذلك في نهاية التناقض . فإن كون العالم عالما إذا رجع إلى نفس العلم ، فكان العلم أوجب نفسه ، ورجع محصول القول إلى أن العلم أوجب كونه علما ، وإنما كان علما لأنه علم . وهذا تلاعب بالحقائق وانسلال عن التحصيل ، فلم يبق إذا لنفاة الأحوال مطمع في إثبات العلل . ولا يزال أحد من المحققين وإن غلا في الرد على مثبتي الأحوال ، يسمح بترك طرق العلل . فلو تعسف متعسف ونفى العلل العقلية ، فإن كان من مثبتي الصفات ، قيل له : كيف التوصل إلى إثبات الصفات للّه تعالى مع إبطال العلل ؟ فإن رام هؤلاء تمسكا بطريقة أخرى في إثبات الصفات وقالوا : سبيل إثباتها الحقائق ، فإن الحقيقة تطرد شاهدا وغائبا ، كما أن العلة عند مثبتيها يجب اطرادها ، ثم قالوا : حقيقة العلم شاهدا من قام به العلم ، فيجب طرد ذلك غائبا ، فيقال لهؤلاء : العلم الذي تثبته شاهدا يخالف العلم القديم ، ولا معنى للعالم عندكم إلا من قام به العلم ، فيؤول محصول الكلام إلى أنه إذا قام بنا علم ، وجب أن يقوم