عبد الملك الجويني
369
الشامل في أصول الدين
ذلك ضرورة وبديهة . ولو حاول تشكيك نفسه لينظر ويستدل ، لم يجد إلى تشكيك نفسه سبيلا . وهذا واضح لا خفاء به . ثم قال : من لم يسلك هذه الطريقة ، وألزم نفسه منهج الأدلة ، يسلم من طلبات لا يجد إلى التقصي عنها سبيلا ، إلا أن يلوذ بادعاء الضرورة آخرا . وبيان ذلك أن قائلا لو قال : لا تمتنع الأفعال من الموتى والجمادات والعجزة والجهلة ، فلو طالب السائل بالدليل على ذلك وزعم أن الأفعال ، وإن لم تقع من هؤلاء وفاقا ، فليس هي ممتنعة عليهم . وأصل ما قدمناه من السبر يستند إلى ادعاء انقسام الموجودات في امتناع الفعل على بعضها ، وعدم امتناعه من بعضها ، فلو رام من وجهت عليه الطلبة من ذلك مخلصا ، لم يجد إليه سبيلا ، ولم يتمكن من معتصم إلا ادعاء الضرورة وهذا بيّن عند التأمل . وقد ذكر الأستاذ أبو إسحاق طريقة انفرد بها ، وهي عند التحقيق آيلة إلى طريقة القاضي . وذلك أنه قال : الحدث دليل على القدرة ، والإحكام دليل على العلم . وكون الحدث والإحكام دليلين على القدرة والعلم ، معلوم ضرورة . وسلك في تحقيق الضرورة مسلك القاضي ، ثم قال : لا معنى لكون الشيء دليلا على مدلول عقلا إلا أن يرتبط به على وجه يتضمن العلم ، بوجه ارتباط العلم بمدلوله . وهذا المعنى متحقق في الحدث الدال على القدرة ، والإتقان الدال على العلم . فخرج مما قاله أن العلم الضروري ينقسم : فمنه ما يحصل بدءا غير مستند إلى سبب ، ومنه ما يستند إلى سبب . ثم السبب الذي تستند إليه بعض العلوم الضرورية ينقسم : فمنه ما يترتب العلم عليه في اطراد العادة من غير إيجاب عقل ، كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل عند مشاهدة قرائن من أحوالهما . ومن الأسباب المتقدمة ما يترتب العلم عليها وجوبا ، وذلك ينقسم : فمنه ما له تعلق باقتضاء العلم ، من غير أن يرتبط ارتباط الدليل بالمدلول ، ذلك نحو الإدراكات المتعلقة بالمدركات ، فإنها تتضمن العلم بالمدركات على مذهب الجمهور من المحققين . وأما يتضمن العلم وجاحده مراغم للضرورة ، وهو مع ذلك يتعلق تعلق الدليل بالمدلول ، فهو كالذي نحن فيه من الحدث والإتقان المتعلقين بالقدرة والعلم المنبئين عنه . فهذه طريقة ، وهي حسنة جدا ، ومرجعها يؤول إلى ما ذكره القاضي ، غير أنهما يفترقان في وجه واحد وهو : أن القاضي يقول : الإتقان ليس يتعلق بالعلم تعلق الدليل بالمدلول ، بل يعلم عند الإتقان علم المتقن ، من غير تعلق بين الإتقان والعلم . والأستاذ يدعي تعلق أحدهما بالثاني على حسب تعلق الدليل بالمدلول . ويستدل على ذلك بأن يقول : لو لم يكن الاتقان متعلقا بعلم المتقن ، لجاز تقدير