عبد الملك الجويني

370

الشامل في أصول الدين

العلم بصدور الاتقان من الفاعل ، مع تقدير الجهل بعلمه عند تقدير خرق العوائد . وهذا كما أن قرائن أحوال الخجل لما لم تكن متعلقة بخجله . فلو خرق اللّه تعالى العادة ، ولم يخلق العلم الضروري عند مشاهدة تلك القرائن ، لجاز ذلك في حكم العقل ، ولا يجوز تقدير مثله في الحدث الدال على القدرة ، والإتقان الدال على العلم . والقاضي لا يقول : لو كان ذلك دليلا ، لكان العلم الذي تضمنه كسبا . فهذه غاية تخاوضهما ، وسيكون لنا عودة إلى ذلك في أحكام العلوم إن شاء اللّه تعالى . القول في الدليل على إثبات العلم والقدرة والحياة فإن قال قائل : أوضحتم كون القديم حيا عالما قادرا ، فبم تنكرون على من يزعم أنه حي قادر عالم لنفسه ، ويمنع إثبات قديم زائد على ذاته ؟ قلنا : هذا من أعظم أصول الدين ، وهو سر الكلام ، وفيه نستوصف معظم دقائقه ، وجل المقصد منه يترتب على العلل وحقائقها ، والمعلولات ومعانيها ، والشرط والمشروط ، والواجب والجائز ، وما يعلل وما لا يعلل إلى غير ذلك من أحكام العلل . ونحن نرى أن نقدم على الخوض في ذلك الكلام في العلل [ و ] إذا قدر اللّه بصرفه ننعطف بتكلم في أحكام العلوم . وقد جرى الرسم بإفراد أحكام القدر ، فنجري في ذلك على مذهب الأئمة .