عبد الملك الجويني
366
الشامل في أصول الدين
أصلهم أن القديم تعالى إنما يفعل ما يفعله طلبا للمصالح . وهذا لا اختصاص له ببعض الأوقات . فيلزم من مفاد ذلك ما رامه أهل الزيغ . ومن المعتزلة من يزعم أن القديم إنما يفعل ما يفعله لحسنه . وهذه الطريقة أقرب إلى الفساد ، إذ ما يحسن لعينه لا اختصاص لوقوعه حسنا بوقت دون وقت . وقد أكثر المعتزلة في روم الانفصال عن هذا السؤال على ما نستقصي أقوالهم في العديل والتجوير . وأقربها أن قالوا : إنما خصص اللّه تعالى إبداع الخلق بوقت أو تقدير وقت لعلمه بأنه لو خلق قبل ، لأفضى إلى مفسدة العباد . وقد يكون الشيء مصلحة في وقت مفسدة في غيره ، وهذا مدخول ، والخوض في تقرير وجه الدخل فيه يطول ، وسيستقصي في موضعه إن شاء اللّه . سؤال آخر : فإن قال قائل : إذا أثبتم صانعا قديما لا مفتتح لوجوده ، فلا تخلون : إما أن تثبتوا له وجودا غير متناه في أوقات لا تتناهى ، وإما أن تثبتوا الوجود أزلا من غير تقدير وقت . قالوا : فإن أثبتم الأوقات وهي حوادث عندكم ، فقد صرحتم بإثبات حوادث لا نهاية لها ، وهذا خلاف أصل الدين وإن لم تثبتوا الأوقات ، كان كلامكم خارجا عن المعقول ، إذ لا يعقل استمرار وجود موجود من غير تقدير أوقات . وهذا الذي ذكره هذا السائل تمويه لا محصول له ، وذلك أنا نقول : صانع العالم قديم ولم يزل موصوفا بالوجود من غير تقدير وقت ، إذ الأوقات من ضروب الحوادث ، ويتناقض إثبات الحوادث أزلية . والذي استبعده السائل حيث قال : لا يعقل استمرار وجود في غير أوقات ، فهو مكتف بمحض الدعوى إذ قال المحصلون : لا معنى لوقوع الشيء في وقت أكثر من مقارنته لبعض الحوادث . وليس من شرط ثبوت الوجود لشيء ، أن يقارن موجودا آخر ليس بشرط فيه ولا علة موجبة له . والذي يحقق ذلك : أنا لو أحلنا وقوع حادث في غير وقت ، للزم منه إحالة وقوع الوقت في غير وقت ، ثم يتسلسل القول إلى ما لا يتناهى . ولو خلق اللّه تعالى جوهرا واحدا دون ما عداه ، لكان عند المحصلين مستمرا وجوده في غير وقت ، وسنشبع القول في الأوقات ومعانيها في الآجال ، والأرزاق . ثم إن كان السائل من القائلين بقدم العالم ، انعكس عليه سؤاله فيما حكم بقدمه . ولا يخلو معتقد أحد من العقلاء من وحّد منهم ومن ألحد ، عن إثبات قديم . ومما يسألون عنه أن يقولوا : من حكم القديم عندكم أنه لا تتجدد له صفات لم يكن موصوفا بها في أزله ، واعترفتم بأن ما تتجدد عليه الصفات فهو محكوم بحدثه ، وقد قلتم إن القديم في أزله كان عالما بأن العالم معدوم ، وأنه سيوجد فيما لا يزال ، ولما وجد العالم