عبد الملك الجويني

367

الشامل في أصول الدين

علم وجوده ، وهذا وصف متجدد ، فيلزم منه الحكم بحدث الذات . وهذا السؤال عظيم خطره ، وما نراه يتضح قبل تقديم العلل وقضاياها ، وسنشبع الانفصال عنه ، إذا توغلنا في أحكام الصفات إن شاء اللّه . القول في ذكر الدلالة على أن اللّه قادر عالم حي فإن قال قائل : قد أثبتم بما قدمتم الدليل على وجود الصانع وقدمه ، وأوضحتم فيما تقدم من الأبواب تقدسه وتنزهه عن مشابهة الخلق ، فما دليلكم الآن على أن صانع العالم حيّ عالم قادر ؟ قلنا : قد اختلف مسالك أهل الحق في ذلك ، وكلها مفضية إلى الحق . ويجمع طرق الأصحاب مذهبان ، ثم ينقسم أحدهما . فأحد المذهبين : سلوك طريق الاستدلال . والمذهب الثاني : ادعاء العلم على اضطرار ، وهو الذي ارتضاه القاضي ، ونحن الآن نوضح المذهبين ونبلغهما أقصاهما . فأما من سلك طريق الاستدلال ، فالأكثرون منهم قالوا : الدليل على كون الصانع قادرا ، وجود المقدورات عن أول واتصافها بالجواز ، وسبيل تحرير الدلالة ، أن يقال : نعلم قطعا أن الإيجاد والاختراع ، لا يصح من كل موجود ، وهذا ما لا سبيل إلى المناكرة فيه . فإذا علمنا اختصاص تصور الاختراع ببعض الموجودات ، وعلمنا امتناعه من بعضها ، سبرنا بعد ذلك الأوصاف ، التي يتميز بها من يصح منه الاختراع عن من لا يصح منه . فنعلم بالسبر أن مجرد الحياة ، لا يصحح الفعل من الحي . فإنا نجد امتناع الفعل مجامعا للحياة كثيرا ، فلزم ابتغاء صفة سوى الحياة . ولا يجوز أن يقال إنها العلم المجرد ، فإنا نصادف الامتناع يتحقق مع الحياة والعلم . وكذلك لو قدر مقدر الإرادة بكل تقديره ، لتصور الامتناع معها . فلا نزال نسبر الصفات ، صفة صفة ، حتى يفضي بنا السبر إلى القادر المتمكن من الفعل ، وهو الذي لا يجامع حالة الامتناع ما يقدر عليه ، وهكذا سبيل الاستدلال على العلم . غير أن الحدوث هو الدال على كون المحدث قادرا ، ونفس الحدوث لا يدل على كونه عالما ، وإنما الدال على ذلك إحكام الفعل ، وإتقانه وانتظامه . وسنعقد في معنى الإحكام والإتقان وتفسيرهما فصلا في خلل الصفات إن شاء اللّه . ثم سبيل تحرير الدلالة من الإحكام والإتقان كسبيلهما في الحدوث . والدال على القدرة على ما أوضحنا وجه السبر والتقسيم . فهذه طريقة سديدة للمستدلين . وسلك بعض المستدلين طريقة الاستشهاد بالشاهد على الغائب ، وقالوا : قد علمنا