عبد الملك الجويني

365

الشامل في أصول الدين

أول لها ، وذلك محال . وقد قدمنا فيه قولا [ مقنعا ] . فإن قال قائل : بم تنكرون على من يقول من غلاة الروافض : العالم أحدثه بعض الآلهة فهو محدث والإله محدثه ؟ قلنا : غرضنا أن نقيم الدلالة على أنه قديم ، وهذا ما لا بد منه مع هذا المذهب . وسنوضح في أبواب القدر استحالة تعلق القدرة الحادثة بخلق الأجسام . وسنوضح استحالة الخلق من الحدث في الأعراض ، فضلا عن الأجسام . وهذه الدلالة سديدة لا معترض عليها ، وربما يحررها القاضي على وجه آخر فيقول : وقد ثبت استحالة افتقار محدث العالم إلى محدث ، من حيث يفضي ذلك إلى التسلسل ، وكل وجود ثبت غير مفتقر إلى مقتض ، فهو واجب ، إذ لولا وجوبه ، لما كان يجب الوجود إلا بمخصص . فإذا ثبت وجوب الوجود ، فليس تحققه في وقت أولى منه في وقت آخر وفي تقدير وقت . فيلزم لذلك القطع بوجوب الوجود ونفي الأولية . أسئلة لأهل الدهر والانفصال عنها فمما سألوه أن قالوا : لو ثبت صانع قديم كما ادعاه الإسلاميون ، لتناقض القول ولثبت حدثه من حيث ثبت كونه مخترعا حكيما . وأوضحوا ذلك بأن قالوا : الحكيم لا يخلو فعله : عن نفع بحكمة أو ضرر يدفعه . فإن تحقق ذلك في نفسه ، فذاك وإن أنكر الآخرين ، فيجب أن لا يخلو فعله في جلب نفع إلى غيره أو دفع ضرر عنه . وإذا خلا الفعل عن الوجهين لم تكن فيه فائدة . والفعل الذي لا فائدة فيه عبث قبيح ، لا يقدر صدوره من الحكيم . قالوا : فإذا ثبت ذلك ولزم قصر فعله على فائدة ، وزعمتم أنه يستحيل عليه الانتفاع والعذر ، فيلزم تقدير مصلحة الغير في أفعاله . ثم ليس بعض الأوقات أولى بذلك من بعض ، فينبغي أن لا يستأخر الفعل الذي يوصل إلى الصلاح عن وقت تصوره ، والأوقات في ذلك متساوية . ويلزم من مجموع ذلك ألا يتقدم الصانع على صنعه بأكثر من وقت واحد ، أو تقدير وقت ، إذ لو تقدم بأوقات لكان مؤخرا لما يجب عليه وجود الحكمة . وهذا الذي ذكروه لا يلزم على قضية أصول الحق في التعديل والتجويز . إذ من أصولنا أن أفعال القديم سبحانه وتعالى لا تعلل بأغراض ، ويبطل فيها أن يقال : إنما خلق الخلق ، وأبدع العالم ، لنفع أو دفع سوء قدرا مضافين إلى ذاته تعالى اللّه عنهما ، أو ربطا بالخلق . وسنشبع القول في ذلك إن شاء اللّه . والذي ألزموه ، فهو لازم على أصول المعتزلة لزوما لا محيص لهم عنه . فإن من