عبد الملك الجويني
357
الشامل في أصول الدين
من هذه المدينة ، فإنه ما أكرم نبي في مدينته . وهذا اعتراف بأنه نبي مرسل متعب سائر الرسل . فإن قالوا في الإنجيل إنه قال : من رآني فقد رأى أبي ، فإنني وإياه واحد . قلنا : لو سلم لكم إنجيلكم من التبديل والتحريف ، وهيهات أن يسلم ، فهذا مؤول عندكم . فإن أحدا منكم لم يقل إن من رأى عيسى ، فقد رأى الأب ، بل امتنع كلكم من الكلمة المتحدة به ، وزعمتم أن المرئي منه الناسوت . فإذا لم نر ما اتحد ، فكيف نرى الأب ولم يتحد ؟ وهذا مؤول عندكم ، محمول على بعض وجوه التأويل ، فزال ظاهره . ثم ما يؤمنكم أنه عني بأبيه روح القدس ، وهو جبريل عليه السلام سماه أباه من حيث كانت نفخته سبب العلوق به ، ومن حيث كان معلمه ومؤدبه ، وقد سمى المتعلم ؛ المعلم الشقيق الرفيق أباه ؟ فإذا أمكن ما قلناه - ولم تحتمل قضية العقل غيره - فهل حملتموه على منهج العقل ؟ فإن قالوا : إن في الإنجيل أن مريم تلد إلها . قلنا : هذا هو التناقض الصراح . فإن الإله لا يولد عندكم أيضا ، وإنما ترجع الولادة إلى الناسوت ، وأنتم مضطرون إلى تأويل إضافة الولادة إلى الإله . ثم نقول : هلا قلتم إنه سمي إلها تجوزا وتوسعا ، إن صح ذلك ، من حيث كان يسوس أمته ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم لمراشد أمورهم ، ويحجزهم عن معاطبهم ، فهلا أجريتم ذلك مجرى تسمية مالك الشيء ربه ، وإن كان الرب على الحقيقة هو اللّه تعالى ؟ ثم نقول : بم تنكرون أن ذلك - إن صح - فالمراد به أنها تلد من يعتقد قوم أنه إله ؟ فخرج ذلك إنباء عن الغيب . وهذا كما أن العرب سمت الشمس إلها ، من حيث عبدت ، وإن اعتقدوا أنها لا تعبد . فإن قالوا : في الإنجيل أن عيسى صلوات اللّه عليه قال : أمتي ، إني أقول لكم إني كنت قبل إبراهيم . قالوا : وهذا دليل على ما قلناه . قلنا : لو صحّ ذلك ، فيمكن حمله على كونه متقدما في الدرجة وعلو الرتبة ، أو كان مقدما اسمه على اسم إبراهيم في جريدة الأنبياء صلوات اللّه عليهم . ثم نقول لهم : في صحف آل داود أن سليمان صلوات اللّه عليه قال : كنت قبل الدنيا ، وكنت في صبيا الهواء بين يدي الرب ، فما تأويلكم لذلك معاشر النصارى ؟ فإن فهموا منه ما فهموا مما نقلوه من إنجيلهم ، نقضوا أصلهم . وإن حاولوا تأويله قوبلوا بمثله . فهذه جمل مقنعة في الرد على النصارى لم يبلغها أحد من المصنفين ، وهو وجيز المقدار ، بسط في المعاني ، وكنا على أن نرد على الصابئين « 1 » والسامرة « 2 » فوجدناهم لا
--> ( 1 ) الصابئة : قوم كانوا يعبدون النجوم والكواكب ، وأصل الفعل صبأ يعني خرج من دين إلى آخر . ( 2 ) السّامرة : قوم يسكنون جبال بيت المقدس وقرايا من أعمال مصر ، ويتقشفون في الطهارة أكثر من -