عبد الملك الجويني
358
الشامل في أصول الدين
ينفردون عن إخوانهم إلا بموافقة المنجمين في بعض أصولهم ، وفي ردنا على المنجمين أكمل غنية على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى . باب في الصفات اعلموا - وفقكم اللّه - أن الركن الأعظم والخطب الأجل من الكلام ينحصر في الصفات ، وهي تحتوي وتنطوي على حمل أسرار التوحيد . وقد قال المحصلون لا يخلو باب من أبواب الكلام عن مخامرة الصفات والتشبث بها ، فيتعين استفراغ الجهد فيها ، اعتصاما بفضل اللّه ورغبة إليه في التأييد والتسديد . وأول ما يجب تصدير الصفات به إيضاح الدلالة على وجود القديم سبحانه وتعالى . القول في الدليل على وجود القديم سبحانه وتعالى اعلموا أن مثبتي الصانع مطبقون على وجوب وجوده . ولم يؤثر عن أحد منهم المنازعة في ذلك ، إلا الباطنية والزنادقة « 1 » ، لعنهم اللّه . فإنهم امتنعوا عن وصف الصانع بالوجود والعدم . وقد ذكرنا ذلك في كتاب « التماثل والاختلاف » وأوضحنا الرد عليهم بما فيه مقنع ، وذكرنا ما حملهم على كفرهم من شبههم ، وتقصينا عنه . ونحن الآن نوضح الطرق المفضية بمسالكها إلى العلم بوجود الصانع . فمما تمسك به المحصلون أن قالوا : العدم نفي محض والمعدوم منتف من كل وجه . والجمع بين إثبات الصانع ، وبين الاعتراف بافتقار الصنع إليه ، والمصير إلى عدمه وانتفائه ، متناقض من القول ولا فصل عند ذوي التحصيل [ بين ] « 2 » المصير إلى عدم الصانع وبين نفيه أصلا ، وإن انجر الكلام إلى الطلبة بإثبات الصانع ، فقد سبق تقريره . والذي يحقق ما قلناه : إنه لا معنى للموجود عندنا إلا أنه شيء ثابت . وإن اعترف الخصم بثبوت الصانع ، فقد اعترف بما نعنيه بالوجود ، ورجعت مناقشته إلى عبارة . وهذا من أقوى ما نتمسك به ، وهو على الحقيقة كشف ، وإيضاح لصرف الكلام إلى اللفظ دون المعنى . فإن قال قائل : قد ثبت عندكم ما لا يتصف بالوجود ، وقرن السائل ذلك بضروب
--> - تقشف سائر اليهود ، أثبتوا نبوة موسى وهارون ويوشع بن نون عليهم السلام وأنكروا نبوة من بعدهم من الأنبياء إلا نبيا واحدا . الملل والنحل ص 176 . ( 1 ) الزنادقة : ( ج ) زنديق : من يبطن الكفر ويخفيه ويظهر الإيمان . أو : كل شاكّ أو ضال أو ملحد . ( 2 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .