عبد الملك الجويني

356

الشامل في أصول الدين

الأب ، فيكون الابن مستأثرا بفعل لا يقدر عليه الأب . ثم لو جاز الاستئثار بفعل واحد ، جاز ذلك في أفعال وهذا يؤدي إلى التمانع المتقدم . فصل [ الرد على النصارى في صلب المسيح ] ثم نقول للنصارى : قد ثبت من مذهبكم أن المسيح صلب وقتل ، فما قولكم فيه وهو على الصليب ؟ أكان ناسوتا ولاهوتا أم كان ناسوتا محضا ؟ فإن كان ناسوتا ولاهوتا ، فيلزم من ذلك إطلاق القول بقتل الإله ، إذ المسيح إله مطلق عندهم . ومن ضرورة إطلاق ذلك : القول بموت الإله . وهذا هو الانسلال من الدين بالكلية . فإن قالوا : قتل الناسوت فلم يقتل المسيح إذا . إذ المسيح لم يكن ناسوتا محضا ، وهم يطلقون القول بأن المسيح صلب ، كما أخبر اللّه عنهم في نص كتابه . والكلام في ذلك يتعلق بمناقشة في عبارات ، وسبيلنا الإيجاز فيها ، فإن المعاني سبقت وافية وافرة . فصل [ شيء آخر ] ومما يعظم الطلبة به أن يقال لهم : هلا قلتم إن موسى بن عمران صلوات اللّه عليه كان إلها ، واتحدت الكلمة به ولذلك قلب العصا حية ، وجرّ على القبط « 1 » القمل ، والضفادع ، والدم ، والطمسة ، والطوفان ، والجراد ، وفلق البحر ، وخسف قارون إلى غير ذلك من آياته ؟ وهذا ما لا يجدون إلى التقصي عنه سبيلا . وإن عللوا أنفسهم بشيء قوبلوا بمثله ، ولم يجدوا محيصا ، وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا بليغا . فصل مشتمل على ذكر ألفاظ نتشبث بها من الإنجيل وافقونا عليها فمن ذلك أن في إنجيلهم ما ترجمته أن عيسى لما عرض للصلب قال : إلهي إلهي ، لم خذلتني ولم أسلمتني . وهذا اعتراف منه بأنه غير مربوب يسلم ويخذل تارة ، ويؤيد أخرى . وفي إنجيلهم أن عيسى قال : إنما بعثت معلما . وفيه أيضا أنه قال للحواريين « 2 » : اخرجوا بي

--> ( 1 ) القبط : سكان مصر القدماء ( يونانية الأصل ) . و - اليوم : النصارى من المصريين . ( 2 ) الحواريون ( في القرآن الكريم ) : أنصار عيسى عليه السلام .