عبد الملك الجويني

355

الشامل في أصول الدين

والتزموه من وجه . وذلك أنهم قالوا : الكلمة إله ، والروح إله ، والروح إله ، والرب إله ، والثلاثة الأقانيم - التي كل أقنوم إله - إله واحد . ونقل هذا المذهب يغني عن الرد على قائله . فإن هؤلاء وصفوا كل أقنوم بأنه إله ، وزعموا أن الأقانيم ثلاثة ، كل أقنوم إله ، والثلاثة إله واحد . وهذا خرق حجاب الحقائق ، والمباهتة في الضرورات ، التي هي من كمال العقل . فإن من كمال العقل : العلم بأن الثلاثة لا تكون واحدا . ولو جاز ذلك جاز أن يقال : الكلمة أقنوم ، وكذلك الأب والروح ، وكلها أقنوم واحد ، وهذا ما لا فصل فيه أبدا . ونقول للروم : قد زعمتم أن الكلمة إله ، وهي لا تتصف بالوجود ، ولا تتصف بكونها عالمة وحيّة وقادرة ، فكيف يجوز إله لا يتصف بالوجود ، ولا سائر ما ذكرناه من الصفات ؟ أو نقول : هل يجوز أن تنفرد الكلمة بفعل دون الروح والأب ؟ فإن أبوا ذلك ، قيل لهم : كيف ينفرد بالإلهية من لا ينفرد بفعل واحد ؟ وإن قالوا : لا يجوز أن تنفرد الكلمة بفعل ، فينبغي أن يجوز ذلك في الروح والأب أيضا . ثم يجب من ذلك أن يتمانع . ثم نجر عليهم عند منقطع الكلام أصول التمانع ، على ما تقدم تقريرها . ومما يصعب موقعه عليهم ما قدمناه في خلل الكلام ، من إلزامهم التربيع . وليس لهم منه مخلص . ثم يترتب على إلزام التربيع ، إلزام إثبات أربعة آلهة . ثم نقول لهم : لو هديتم مراشدكم لعلمتم أن الموجود الذي اتصف بالعلم والحياة ، والوجود وهو الإله ؛ وله صفات الإلهية ، ولكنكم فتنتم أنفسكم وسفهتم رأيكم ، وأثبتم كل أقنوم إلها ، ومنعتم أن يكون الموصوف إلها ، وهذا عكس الصواب ، وقلب الحقائق ، أعاذنا اللّه من الضلال وأرشدنا لدرك الحق . باب يجمع أسئلة مقتضبة من الأبواب السابقة فمما سأله القاضي رضي اللّه عنه وطالب النصارى به أن قال : لم كان العلم أولى بالاتحاد من الحياة ؟ وقد قدمنا ذلك وقررناه في تضاعيف الكلام . ومما ذكره أن قال : لم كان العلم أولى بأن يسمى ابنا عند الاتحاد منه بأن يسمى أبا ؟ وهذا يداني السؤال الأول ويضاهيه . وشأننا بسط الحقائق ، والإطناب في المعاني ، والإيجاز في العبارات ، واللّه ولي التسديد . ومما طالبهم به أيضا أن قال : قد اتفقتم على أن الاتحاد فعل من الأفعال ، فلا تخلون فيه : إما أن تقولوا هو فعل لا فاعل له ، فيلزمكم منه الدهر . والمصير إلى تجويز خلو كل فعل عن فاعل . ومذهب بعضهم : أن الاتحاد فعل لا فاعل له ، فاعلموه . فإن صاروا إلى أن فاعل الاتحاد الكلمة - وهو أصل معظمهم - فإنهم قالوا : إنما يفعل الاتحاد المتحد دون غيره ، وهذا يجرهم إلى ما لا قبل لهم به ؛ وهو أن يقولوا : الاتحاد فعل ، وهو لا يتصور من