عبد الملك الجويني
352
الشامل في أصول الدين
وسلك بعضهم مسلكا آخر - وهو حقيقة أصلهم - فقالوا : الجوهر يوافق الأقانيم من وجه ، ولا يوافقها من وجه . ثم ذكروا مذهبا لا يتحصل أبدا . فقالوا : الجوهر يوافق الأقانيم بالجوهرية ، وعنوا بذلك : أن كل أقنوم فهو من الجوهر ، وجوهر الكلمة هو جوهر الروح والأب . وزعموا أن الجوهرية تجمع الجوهر والأقانيم ، وهذا وجه اتفاقها . ثم قالوا : الأقانيم تخالف الجوهر بالأقنومية إذ ليس الجوهر أقنوما . وهذا خبط وتخليط وقول متهافت يناقض آخره أوله . ويتبين المقصود في ذلك بتقسيم وذلك أنا نقول : ما المعنى بقولكم إن الجوهر يوافق الأقانيم بالجوهرية ؟ فإن أردتم بذلك أنه تثبت لكل أقنوم صفة الجوهر ، وإنما وافق الأقنوم الجوهر من حيث استويا في صفة الجوهرية ، فيلزم من ذلك أن يكون كل أقنوم جوهرا أو لا يكون شيئا منها أقنوما ، أو تكون بعض الجواهر أقانيما لبعض ، أو يكون لكل جوهر أقانيم على الانفراد ، وكل ذلك يهدم أصولهم وينقضها . هذا لو أراد بقولهم الجوهر يوافق الأقانيم بالجوهرية ما ذكرناه . فإن قالوا أردنا بذلك : أن الجوهر موافق للأقانيم من حيث اتصف بها ، وكان أصلا إلها . فهذا من ركيك القول ، ويلزم منه أن تكون الأقانيم موافقة للجوهر أيضا من حيث كانت خواصا وصفات له ، فإن الاتصاف بالصفة إذا أوجب للموصوف مماثلة الصفة ، فتكون الصفة صفة للموصوف ، فينبغي أن يوجب لها مماثلة الموصوف . إذ لا فرق في ذلك بين القولين ، وليس القائل بأحدهما الممتنع من الثاني ، بأسعد حالا من الذي يقلب عليه مذهبه بنفي ما أثبته وإثبات ما نفاه . وهذا واضح لا خفاء به . ونرى النصارى مطبقون - أعني الروم - على أن الأقانيم متفقة بالجوهرية ، ويثبتون الجوهرية صفة لها ، ويطلقون أن جوهر الابن يماثل جوهر الأب . وقد أوضحنا أن هذا لا محصول له . فإنه لا معنى لقول القائل : الجوهر يوافق الأقانيم بالجوهرية ، مع القطع بأن الأقانيم ليست بجواهر . وإن فسروا موافقة الجوهر لها بأنه يجمعها ويتصف بها ، وليس ذلك من الموافقة في شيء ، إذ الموافقة إنما هي اتفاق الشيئين في صفتين متفقتين ، كموافقة الجوهر الجوهر في التحيز ، وقبول الأعراض ، وما عداها من صفات النفس . فهذا هو المعني بالموافقة ، ومثل ذلك ليس يتحقق في الذي نحن فيه . فإن الجوهر ، من حيث جمع الأقانيم ، إنما كان موافقا للأقانيم لو كانت الأقانيما تجمع جميعه ، فيساوي الجوهر الأقانيم في هذه الصفة . فقد وضح أن الجوهر ليس يوافق الأقانيم في صفة ، وبطل تفصيل النصارى في الموافقة بالجوهرية والمخالفة بالأقنومية ؛ واستبان أن الذي قالوا خلو من التحقيق ، فيضمحل لنا التحصيل . وقد انكشف الغطاء وحصحص الحق وانحسمت تمويهاتهم .