عبد الملك الجويني
353
الشامل في أصول الدين
فصل [ اضطراب اليعقوبية والنسطورية مع الملكية في الإنسان الجزئي والكلي واتحاد الكلمة ] ومما يتعلق بالباب الذي نحن فيه اضطراب اليعقوبية والنسطورية مع الملكية في الإنسان الجزئي والكلي واتحاد الكلمة . فزعمت اليعقوبية والنسطورية أن المسيح إنسان جزئي ، اتحدت به الكلمة . وعنوا بالجزئي أنه واحد من الناس ، وبعض من جملتهم ، واتفقت الروم على أن المسيح إنسان كلي جامع بالإنسانية جزئيات الناس . واختلفوا في مريم عليها السلام . فصار الأكثرون منهم إلى أنها إنسان جزئي . وذهب شرذمة منهم إلى أنها إنسان كلي . واتفقوا على أن الاتحاد بالمسيح دونها . وهذه حماقات تمجها أسماع أرباب الألباب ، وتأباها قرائح ذوي التحقيق . وأول ما نفاتح به هؤلاء أن نقول : ألم يكن المسيح صلوات اللّه عليه ، في حكم الناسوت ، محدود الأقطار ، مضبوط الغاية ، والنهاية ، متحولا ، متنقلا ، آكلا شاربا ، جنينا برهة ، ثم مولودا منفصلا ، ثم سياحا في الأرض ، رواحا ، ثم اختصصتم معاشر النصارى بقوله اختلفتموها ، وزعمتم أنه قتل وصلب ، وهم لا ينكرون شيئا مما ذكرناه في حكم الناسوت . فإذا ثبت ذلك قلنا : كيف يكون شبح من الأشباح ، وشخص من الأشخاص ، كل الناس ، مع العلم أنه يغاير آحادهم ويغايرونه ، ويباينهم ويباينونه ، وهذا جحد الضرورة ومراغمة البديهة ! ثم قد اعترفوا بأنه مولود من مريم ، صلوات اللّه عليهما ؛ وكيف يحتوي الجزء على الكل الذي هو جزء منه لولا الوقاحة والحمق ؟ فإن زعموا أن ناسوت المسيح ، لم يكن ما رؤي منه ، وإنما كان أمرا باطنا لا يرى ، يعم جزئيات الناس . وهذا من أعظم الجهالات ، فإنهم وافقونا في أن المسيح رؤي إنسانا ، ويستحيل أن يكون كليا جزئيا . فإن ذلك متناقض واللاهوت منه هو الذي لا يرى عندهم دون الناسوت . وأما تقسيم الناسوت إلى مرئي وغير مرئي فلم يصر إليه أحد منهم ، فإنهم قطعوا بأن ناسوت المسيح يقبل كل ما يقبله كل ناسوت . والذي يحقق القول في ذلك ، أنه لو ثبت له ناسوت جزئي [ و ] قد سماه بعضهم برانيا ، وناسوت كلي وقد سماه بعضهم حرانيا ، ولو سئلوا عن كونه جزئيا كليا ، امتنعوا منه ، فنقول : قد ثبت كونه جزئيا قطعا ، وقد أعطيتمونا ذلك . فإن قدرنا ناسوتا كليا ، فيستحيل أن يكون الكلي هو الجزئي ، بل يجب أن يكون الناسوت الجزئي مندرجا تحت الكلي ، والكلي غير مختص به . فيخرج من ذلك أنه جزئي ، له حكم الكلي على معنى أن الكلي يشمله . فأما أن يكون جزئيا ، وعين الجزئي