عبد الملك الجويني
342
الشامل في أصول الدين
ثم نخصص هؤلاء بأن نقول : الاختلاط إنما يتحقق على ما ذكرتموه بين الأجرام والأجسام ، والأقنوم ليس بجرم ولا حجم ، بل لا يتخصص بوصف الوجود على التفريد والتحديد . فكيف يتصور مخالطته للأجسام ؟ ووضوح ذلك ، يغني عن كشفه . ثم نقول لهم : لا معنى للاختلاط عندنا أكثر من التجاوز . والتجاوز ليس يتحقق إلا بين متحيزين ، مختصين بجهتين ، جهة كل واحد ، منقطع الآخر . فإن أرادوا بالاختلاط في ذلك مذهبا وحجاجا ، فقد صرحوا بتحيز القديم . وقد قدمنا في الرد على القائلين بالتحيز ما فيه مقنع . وإن عنوا بالاختلاط تداخل الأجسام ، على ما صار إليه النظّام ، فقد قدمنا من الرد عليه ما فيه اقتناع . وإن لم يفسروا الاختلاط بالمجاورة ، وتداني الذوات ، ولا بالتداخل ، ولم يفسروه أيضا بالحلول ، كما حكيناه عن المتقدمين ، فلا يبقى للعبارة التي أطلقوها محصول في الكلام على المذاهب بالرد والقبول ، فرع لفهمها ، والإحاطة بها . وإن ذكروا معنى صحيحا ، وزعموا أنهم عنوه بالاختلاط ثقل منهم المعنى ، ونوقشوا في العبارة . ومما تمسك به القاضي ردا على هؤلاء ، أن قال : ما خالط جوهرا أو جواهر بعد أن لم يكن مخالطا ، فذلك دال على حدثه . فإن الذي توصلنا به إلى العلم بحدث الجواهر ، أنا رأيناها متجاورة ومتباعدة . فعرفنا أنها لا تخلو عن الحوادث . والذي قاله النصارى ، يجرهم إلى القول بحدث الأقنوم ، أو إلى القدح في دلالة حدث الجواهر . فإن راغوا ولم يثبتوا حقيقة الاتصال ، روجعوا في ذكر معنى الاختلاط . وقد سبرت مذاهبهم فرجعت - مع اختلافها - إلى الحلول ، كما قدمنا ذكره . فأما الذين قالوا : الكلمة انقلبت لحما ودما ، فكل ما قدمناه من الأدلة يعود على هؤلاء . فإن الدال على امتناع حلول صفة النفس ، دال على استحالة انقلابها . فلا معنى لتكرار ما سبق . ثم الذين صاروا إلى هذا المذهب ، وافقوا إخوانهم في الاختلاط أولا ، ثم زادوا عليهم بالانقلاب . وكل ما دل على امتناع الاختلاط ، يعود على هؤلاء . ثم نقول لهم : أتجوزون انقلاب الجوهر عرضا ، وانقلاب العرض جوهرا ؟ فإن أبوه وامتنعوا منه ، وهو أصلهم ، قيل لهم : إذا امتنع ذلك فلئن يمتنع انقلاب الأقنوم لحما أولى . ثم نقول : إذا قام العلم بالواحد منا ، فينبغي أن ينقلب لحما ؛ بل هذا أقرب وأولى ، ولا مخلص لهم عن شيء من ذلك .