عبد الملك الجويني

343

الشامل في أصول الدين

ثم يقال لهم : جوزوا انقلاب اللحم أقنوما ، كما جوزتم انقلاب اللاأقنوم لحما . ثم يقال لهم : أليس اللحم كان لحما ، قبل تقدير اتحاد الكلمة به ، فما معنى انقلاب الكلمة إلى اللحم ؟ فإن أرادوا بذلك أنه صار عين ذلك اللحم ، فلقد كان عينه قبل ذلك ، فلا معنى لانقلاب شيء إليه من غير زيادة . وليس من أصلهم أن الأقنوم انقلب لحما زائدا ، وانضم إلى لحم المسيح ، فلا معنى لمصير الأقنوم لحما إلا أن يقدر انتفاؤه مع بقاء اللحم لحما ، فتدبروه . ولا يتحصل من مذاهبهم إلا الحلول المقدم ، ومما يطالبون به أن يقال لهم : كما أطلقتم انقلاب الأقنوم لحما ، فاطلقوا انقلابه حادثا ، مفتتح الوجود . والذي يحصل القول في ذلك : أن لحم المسيح حادث ، وصار عين أقنومه مثل عين لحمه ، يجب أن يكون حادثا على الضرورة . وإن امتنعوا من كون لحمه حادثا ، انجروا إلى الدهر ، ونقضوا دلالات حدث العالم . فإن جملة دلالات حدث العالم ، كانت متحققة في جسد المسيح عليه السلام وشبحه . فإما التزام قدم كل جوهر والقطع في دلالات حدثها ، وإما القطع بحدث المسيح . وأما ما صار إليه الروم من أن الأقنوم والمسيح صارا شيئا واحدا ، فكل ما قدمناه في الرد على الأولين ردا عليهم . وما رددنا به على القائلين على الاختلاط ، ردا على هؤلاء ، فإنهم قالوا بالاختلاط ، ثم حكموا بالاتحاد بعده . ثم نقول : المصير إلى أن الاثنين صارا واحدا ، ولم يعدم واحد منهما ، خارج عن ضرورة العقل . ولو جاز ذلك ، جاز اتحاد جوهرين من غير أن يعدم أحدهما ، وجاز اتحاد عرضين قائمين بمحل واحد ، وهذا يجر إلى أن العرق الباسق نواة اتحادا من غير عدم . وأقرب ما يلزم على ذلك أن لا نستبعد من أصحاب العنصر ما قالوه من اتحاد في الأزل ، مع تعدده من غير مريد فيما لا يزال . ثم نقول لهؤلاء : الأقنوم في حكم المخالفة للجوهر ، ومصير المختلفين واحد محال . فإن ذلك يؤدي إلى نفي اختلافهما . والذي يوضح ذلك : أنه لو لزم من اتحاد الكلمة بالمسيح مصيرهما شيئا واحدا ، فيلزم من اختصاص الأقانيم بالجوهر - على أقصى ما يقدر في الاختصاص - أن تتحد . فإذا لم تتحد الأقانيم مع اختصاصها بالجوهر ، فلأن لا تتحد مع الناسوت أولى . ولا يخلصهم من ذلك إلا إبطال التثليث ، والمصير إلى الاتحاد طردا للباب ، وأما إبطال الاتحاد الذي اعتقدوه في الكلمة والمسيح . وإن رجعوا في تفسير الاتحاد إلى اختصاص الأقنوم بالناسوت ، وأن الأقنوم لا ينفرد بوجود على حياله ، فقد عادوا إلى مذاهب أصحاب الحلول . ولا نظن أنهم يعودون إلى ذلك أبدا ، بل من معتقد الروم الاتحاد