عبد الملك الجويني

339

الشامل في أصول الدين

يجوز أن يختص بذات أخرى ، لم يكن مختصا بها قبل ، مع بقائه على ما كان عليه ، كيف وقد أعطانا النصارى استحالة قيام العرض بمحلين فصاعدا . فإذا أحالوا ذلك في الأعراض الحادثة ، فلأن يحيلوه في الأقنوم القديم أولى . بل إذا أحالوه في العرض ، فإحالته في صفة النفس أولى ، إذ صفات النفس ألزم ، وهي باستحالة التعدي أخلق وأجدر ، إذ العرض القائم بالمحل ، يجوز تقدير عدمه عنه مع إعادته مع غيره ، ولا يجوز تقدير مزايلة صفة النفس النفس . وربما قررنا هذا القسم من وجه آخر فقلنا : جسد المسيح ، والناسوت منه ، إذا قدّر عاريا عن الكلمة ، ثم حلته الكلمة ، فلا يتقرر ذلك إلا بأن يحدث فيه معنى لم يكن ، أو ينتقل إليه معنى . ويستحيل ثبوت معنى من غير حدوث ولا انتقال . وقد قالت النصارى باستحالة حدوث الكلمة ، واستحالة انتقالها . فبطل ما قالوه . ولو ظن ظان بالنصارى أنهم يزعمون أن الكلمة زالت عن الجوهر القديم ، فهو يخالف مذهبهم . على أنه يلزم على ذلك وجوه من الفساد : أحدها : أن لا يكون الجوهر - بعد مولد عيسى - عالما . وهذا لم يصر إليه أحد منهم ، ويلزم عليه مزايلة صفة النفس للنفس ، إذ الكلمة عندهم صفة نفس للجوهر ، وصفات النفس لا تزول ، إذ لو جاز زوالها ، لجاز زوال صفة الجوهر الحادث ، وهذا ممنوع وفاقا . ثم يلزم وجها آخر من الاستحالة وهو : أن ينتقل ما لا يقوم بنفسه ، فيلزم من ذلك تجويز انتقال الأعراض ، وذلك يجر إلى جواز قيام الأعراض بالأعراض ، أو إلى جواز انتقال الجواهر من غير أعراض ، وهذا مما أشبعنا القول فيه في صدر الكتاب . ثم تجويز انتقال الأعراض أقرب من تجويز انتقال صفات الأنفس ، فإن صفة النفس لا توصف ، على حيالها ، بالوجود ، وما لا يوصف بالوجود ، فهو أبعد من الانتقال من العرض المتحقق له وصف الوجود . ثم قد وافقونا النصارى على امتناع انتقال القديم القائم بالنفس ، وهو الذي سموه جوهرا ، فإذا امتنع انتقال القائم بالنفس ، فلأن يمتنع انتقال صفة نفسه أولى ، فبطل مذهبهم من كل وجه . ومن أوضح ما نستدل به على هؤلاء أن نقول : هل تجوزون اتحاد الحياة بالمسيح ، كما جوزتم اتحاد العلم به ، أم تأبوه ؟ فإن أبوه - وهذا أصلهم - طولبوا بالفصل بين الأقنومين ، فلا يبدون في امتناع الاتحاد في أحدهما معنى صحيحا إلا تحقق مثله في الذي فيه النزاع ، ولا يخلصهم من الإلزام إلا طرد المنع في الأقانيم ، أو طرد التجويز فيها .