عبد الملك الجويني

340

الشامل في أصول الدين

فإن قالوا : إنما استدللنا على اتحاد العلم بالمسيح لما رأيناه متناثر العلوم ، لا يساهم فيها . قلنا : سنبطل استشهادكم هذا عند ذكرنا شبهكم في آخر الباب . على أنا نقول الآن : هل استدللتم على اتحاد الحياة به من حيث انفرد بالاقتدار عندكم على إحياء الموتى ، وخلق طير من طين ، والقدرة عندكم في حكم الحياة ؟ فهلا تمسكتم بهذا الوجه ؟ ثم نقول : هل قلتم إن الكلمة ، لما اتحدت بالمسيح ، فلا بد من اتحاد الحياة به ، إذ العلم الذي هو أقنوم الجوهر ، ينبغي أن لا ينفرد عن الحياة التي هي أقنوم الجوهر أيضا ، وذلك أن العلم يفتقر إلى الحياة ، ثم يصح أن تشترط فيه الحياة القديمة ؟ فهذه السبل أقرب إلى طرق النظر مما ذكروه ، ومما يجرهم إلى ذلك : وصفهم المسيح بأنه إله ، مع مصيرهم إلى وجوب اتصاف الإله بأقنوم العلم . فهلا قالوه بوجوب اتصافه بأقنوم الحياة ، من حيث اعتقدوا كونه إلها ؟ فبطل ما قالوه ، وتبين أنهم لا يجدون مخرجا عن طلبة من يطالبهم باتحاد الأقانيم الثلاثة بالمسيح ؛ وباتحاد أقنوم واحد غير ما عينوه . ولا يجد المحقق لمذهب النصارى محصولا عند الفحص والتنقير ، ويلفيها مستندة إلى محض التحكم . وهكذا يجري فروع الأصل الذي لم يعضد بتحقيق . وسنذكر لهم تمسكا ببعض ظواهر آي القرآن ، وننفصل عنه إن شاء اللّه . ومما نتمسك به على هؤلاء أن نقول : هل تجوزون أن تتحد صفة نفس جوهر بعرض ، أو تتحد صفة نفس عرض بجوهر حتى يصير الجوهر في حكم سواد عند تقدير اتحاد صفة نفس السواد بالجوهر ؟ وكذلك نفرض الأمر على الضد من ذلك ، فإذا أبوه - وهو حقيقة أصلهم - إذ ليس فيهم من يجوز الاتحاد في صفة أنفس المحدثات ، فيقال لهم : إذا امتنع ذلك في الحوادث ، مع أنها عرضة التبديلات والتغييرات ، فلأن يمتنع ذلك في القديم المتعالي عن التبدل والتغيير أولى . وهذا ما لا محيص عنه . فإن راموا في ذلك فصلا ، وقالوا : حكم العرض يناقض حكم الجوهر ، إذ الجوهر قائم بنفسه ، والعرض لا يقوم بنفسه ، فلما تناقضا في حكميهما استحال اتحاد صفة أحدهما بالآخر . وهذا الذي ذكروه لا محصول له . فإنا لم نلزمهم أن يأخذ الجوهر صفة العرض في أن لا يقوم بنفسه ، مع بقائه على صفة في القيام بالنفس . فإنا لو ألزمنا ذلك لتناقض أن يقوم بنفسه ، ولا يقوم به . وإنما الذي ألزمناهم : أن يأخذ الجوهر حكم السواد في كونه سوادا ، وليس يتحقق في ذلك من التناقض ما ذكروه . فإن قالوا لواحد : حكم السواد في كونه سوادا ، يوجب أن يكون في حكم السواد من كل وجه .