عبد الملك الجويني
338
الشامل في أصول الدين
والذي صار إليه معظمهم أن الكلمة حلت المسيح ، كما يحل العرض محله . وعنوا بالكلمة العلم الذي هو أقنوم الجوهر ؛ فهذا مذهب لفريق منهم . وصار طائفة من اليعقوبية « 1 » والنسطورية « 2 » إلى أن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته ، كما يمازج الخمر اللبن وذهب معظم اليعاقبة إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما . وذهب الروم في معنى الاتحاد إلى الاختلاط والامتزاج ، كما قدمناه أولا . غير أنهم زادوا وجها فقالوا : مازجت الكلمة المسيح ، ثم صارا شيئا واحدا . وربما عبروا عن مذهبهم فقالوا : صار الاثنان واحدا ، وصارت الكثرة قلة . وعبروا بالكثرة عن العدد قبل الاختلاط ، وبالقلة عن الاتحاد . وذهب أخلاط من النصارى ، وأشابه من كل ضرب إلى : أن المراد بالاتحاد ، ظهور اللاهوت على الناسوت . ثم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أوجه : ففسر بعضهم الظهور بمثال ذكره ، وقال : إذا قابل الشيء جسما صقيلا ، ظهر على الجسم الصقيل ، ورئي فيه ، وإن لم ينتقل إليه ولم يحله . قالوا : فهذا معنى ظهور اللاهوت على الناسوت . وضرب بعضهم لذلك مثلا آخر يدانيه فقال : الطابع المنقوش ، إذا اتصل بشمع ، أو بما يضاهيه ، فيظهر نفس الطابع عليه ، وإن لم يحله من الطابع شيء . وربما فسره بعضهم بأن قال : معنى ظهور اللاهوت على المسيح كمعنى استواء الإله عند الإسلاميين على العرش ، مع مصيرهم إلى إحالة المماسة والمحاذاة فهذه مذاهبهم . ثم يعبرون عن الاتحاد بالتدرع ، والعبارتان راجعتان إلى محصول واحد . ومأخذ التدرع في اللغة واضح ، وكأنهم يعتقدون تجوزا وتحقيقا اتخاذ اللاهوت جسد المسيح درعا ، تعالى اللّه عن قولهم . ونحن الآن نتبع جميع مذاهبهم بالنقض والإفساد مستعينين باللّه عز وجل . أما من قال : إن الكلمة حلت المسيح ، كما يحل العرض محله . فهذا باطل من أوجه : منها أن نقول لهم : الكلمة التي حلت المسيح على زعمكم ، هل انفصلت عن الجوهر القديم أم هي على الاختصاص به كما قيل الاتحاد بالمسيح ؟ فإن زعموا أنها لم تنفصل عن الجوهر القديم ، فيقال لهم : كيف حلت غير الجوهر القديم مع الاختصاص بالجوهر القديم ؟ ! ونحن نعلم علم اضطرار أن المعلوم الواحد إذا كان مختصا بذات ، ولم يزايلها فلا
--> ( 1 ) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 182 - 183 - 184 . ( 2 ) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 181 - 182 .