عبد الملك الجويني

335

الشامل في أصول الدين

فهذه طريقة الإجمال . وإن أردنا أن نسلك طريقة التفصيل في الطلبة قلنا : رأيناكم اقتصرتم في ذكر الأقانيم على الوجود والحياة والعلم ، فما إنكاركم على من يقدر القدرة أقنوما رابعا ؟ وعند ذلك اضطربت آراؤهم ، فلم يتمكنوا من الانفصال . فمما حاولوا به الانفصال أن قالوا : الحياة تجزئ عن القدرة . فيقال لهم : فهلا أجزت عن العلم ؟ فلا يجدون عن ذلك فصلا . فإن قالوا : الحي قد يخلو عن العلم من كل وجه ، ولا يخلو عن القدرة . وهذا خلف من القول ركيك . فإنه كما يجوز خلو الحي شاهدا عن جميع العلوم ، فكذلك يجوز خلوه عن القدرة . وقد يبلغ المرتضى ، المدنف هذا المبلغ ، ولا يبقى فيه اقتدار . وهذا الذي ذكروه قد ناقضوه شاهدا . إذ من أصلهم أن القدرة شاهدا تزيد على الحياة ، وليس منهم من يقول : إن قدرة الواحد منا حياته . فقد بطل ما عولوا عليه . ولو تعسف متعسف ممن لا يحصل مذهبهم ، وزعم أن الحياة شاهدا هي القدرة ، كان ذلك سببا منه إلى نفي الأعراض ، وإبطال سبيل إثباتها . فإنا نرى الحي يقدر تارة ، ويعجز أخرى ، كما نراه يتحرك ويسكن . وليس نفي القدرة أولى من نفي الحياة ، وجملة ضروب الأعراض . وهذا لم نذكره قدحا في مذهبهم ، إذ مذهبهم على التحقيق في الشاهد ما قدمناه . ثم نقول : الحياة والقدر مختلف موجبها ككل عرضين مختلفين ، إذ الحياة ليس من خاصتها التعلق بغير المحل الذي قامت به . والقدرة تتعلق بالمقدورات المغايرة لمحالها . وإنما الذي نذكره إشارات إلى الأصول مع إثبات الاختصار ، وتجنب الإغراق . ثم كيف يستقيم ذكر الوجود في الأقانيم ، والمصير إلى أنه صفة للجوهر وليس عين الجوهر ، ممن يجعل القدرة عين الحياة ؟ وهذا تناقض لا خفاء به . وقد ذكر القاضي وجوها في روم النصارى الانفصال ، وكلها واضحة . ولكنه ذكرها في « التمهيد » لما كان مقصده بالثقة تقريب الأمر ، وتسهيل مدركه على بعض الملوك المجانبين للتعمق في الحقائق . فمما ذكره في الفصل في الحياة والعلم ، لما قيل لهم : هلا جعلتم العلم الحياة ؟ فقالوا : هما مفترقان لاختصاص الحياة بامتناع جريان المبالغة والتفصيل بخلاف العلم . إذ يقال : هذا أعلم من هذا . وهذا الذي ذكره ينعكس عليهم في القدرة ، إذ المبالغة سائغة فيها ، وقد صرفوها إلى ما لا تجري المبالغة فيه على زعمهم . وذكر من الطرق فصولا لا يخفى مدركها . فرأينا الإضراب عنها .