عبد الملك الجويني

336

الشامل في أصول الدين

والذي عوّل عليه النصارى ، لعنهم اللّه ، أن قالوا : الأقانيم : هي خواص الجوهر ومن حكم الخاصية التي هي صفة النفس ، أن تلزمه ولا تتعداه إلى ما سواه . وقالوا : وهذا محقق في الوجود الذي عددناه من الأقانيم ، وهو متحقق في الحياة ، إذ هي مختصة بالجوهر . قالوا : والعلم له اختصاص بالجوهر من حيث كان علما به ، والقدرة لا اختصاص لها بالذات ؛ بل تعلقها بغيره . إذ من المستحيل كون الجوهر القديم مقدورا . وهذا الذي ذكروه عري عن التحصيل ، وفساده يتضح من أوجه : منها : أنهم نقضوا عين مذهبهم بما ذكروه . فإنهم زعموا أن القدرة منصرفة إلى الحياة . ثم لما ضاق بهم المسلك قالوا : الحياة مختصة بالجوهر القديم ، بخلاف القدرة . وهذا تصريح منهم بأن القدرة تخالف الحياة وتباينها في موجبها . فكيف كان ما حكمه التعدي عن الجوهر في التعلق ، عين ما كان حكمه أن لا يتعدى ؟ وهذا متناقض متهافت لا خفاء به . ثم نقول هلا قلتم : إن العلم من حيث تعلق بغير الجوهر ، لم يكن أقنوما له ؟ فإن قالوا : إنما كان أقنوما ، من حيث كان متعلقا بالذات ، لا من حيث كان متعلقا بغيره . قلنا : فاجعلوا الإبصار أقنوما من حيث يرى الجوهر نفسه ، لا من حيث يتعلق بالأغيار . وهذا ما لا فصل فيه . ثم كل ما ذكرناه تكلف . فإن الصفة إنما تكون أقنوما للجوهر ، من حيث تكون خاصية له ، ويكون الجوهر موصوفا بها ، والتعلق بالمتعلقات ؛ ليس مما يقتضيه العلم للذات . وبيان ذلك : أن العلم إنما كان صفة للجوهر ، من حيث كان الجوهر عالما به ، لا من حيث كان معلوما به . ثم كونه عالما لازم له ، سواء كان عالما لنفسه ، أو لغيره . والذي يوجب العلم ، من الحكم للذات عند اختصاصه بها ، قياما عندنا ، أو عند كونه خاصية عندكم ، أن تكون الذات عالما لا أن تكون معلوما . والذي يوضح ذلك أن العلم لو كان صفة للمعلوم به ، لوجب أن يكون العلم الحادث صفة للقديم ، من حيث كان معلوما به . ووجب أن يكون العلم الذي هو أقنوم الجوهر عندكم ، أقنوما لجملة الحوادث من حيث كانت الحوادث معلومة به . وهذا يناقض مذهبهم . فوضح بما قلناه بطلان ما عولوا عليه . ثم نقول : لو استمر لكم ما قلتموه ، لزمكم على طرده أن تجعلوا بقاء الجوهر أقنوما رابعا ، من حيث لزم الجوهر ولم يتعده .