عبد الملك الجويني

334

الشامل في أصول الدين

أوصاف القديم . وخالف في ذلك أباه . فإن الجبائي زعم أن أخص أوصاف القديم قدمه ، وأبو هاشم يأبى ذلك . ثم قالت النصارى في وجود الجوهر ، أقنوم له . وهذا يخالف مذاهب مثبتي الأحوال من أهل الحق . فأنا إذا قلنا بالحال ، لم نجعل الوجود حالا ، بل وجود الشيء نفسه . وللمعتزلة في ذلك اضطراب نذكره في كتاب « العلل » إن شاء اللّه تعالى . ومما يرشدك إلى ما قلناه من أن الأقانيم عندهم ليست في تقدير المعاني الموجودة ، لأن عندهم الوجود منها . ولا يستريب عاقل في أن وجود الموجود ليس بصفة موجودة زائدة على الموجود . إذ أقل ما يلزم من ذلك أن يكون الموجود وجودا ثم يتسلسل إلى غير نهاية . ثم النصارى ربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن والروح ، ويعنون بالأب الوجود ، وبالابن المسيح الذي تدرع به اللاهوت ، والروح الحياة . وربما يسمون العلم كلمة . فلا تظنوا أنهم يريدون بالكلمة الكلام ، فإن الكلام عندهم من صفات المعاني . ولكنهم يعبرون بالكلمة عن العلم ، ولا يسمون العلم قبل التدرع والاتحاد بالمسيح ابنا ، بل المسيح عندهم - مع ما تدرع به - ابن . ووجوه الرد عليهم تنقسم : فمنها أن نثبت عليهم الصفات بالطرق التي نثبتها على المعتزلة على ما سيأتي إن شاء اللّه . ومن وجوه الكلام عليهم أن نقول لهم : لم خصصتم الأقانيم بالثلاثة ؟ وبم تنكرون على من يقدرها أربعة فصاعدا ؟ ولنا في هذه الطلبة وجهان : أحدهما : أن تجتزئ بإجمال المطالبة ، ونفوض إليهم إيضاح وجه الاقتصار على الثلاثة ، فلا يجدون في الخروج عن المطالبة سبيلا . وأقصى ما يلتجئون إليه أن يقولوا : لم نعلم أقنوما رابعا بعد البحث والنظر وسبر طرائق الغير . وهذا من أوهن ما نعتصم به . وقد أوضحنا غير مرة فساد ذلك ، واستناده إلى محض الدعوى . وإن قالوا : الأقانيم هي الخواص الواجبة ؛ والصفات اللازمة . والذي ذكرناه يقع الاستبداد به . فيقال لهم : هذه دعوى أيضا فلم زعمتم أن الاستبداد يقع بما ذكرتم . وهذا ينجر عند تحقيق الطلبة إلى الطريقة الأولى . وأقصى ما يقدر عليه الخصم أن يعتصم بعدم علمه . فيقال له : لم دل عدم علمك على ما فيه التنازع ؟