عبد الملك الجويني
326
الشامل في أصول الدين
الأثر ، وهو من محض اللغة . إذ العرب تقول : إن لفلان إصبعا حسنة في هذا الأمر ؛ يعنون أثرا . والأحسن في التأويل أن يقال : إن المعنى بالحديث ؛ أن القلوب بحكم اللّه وقدرته ، يقلبها كيف يشاء . كما قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ [ الأنعام : 110 ] . وكما يعبر باليد عن الاحتواء والاقتدار ، فكذلك يعبر بالإصبع عنه . إذ يقول القائل : هذا مما أتيت عليه براجمي ، واحتوت عليه أصابعي . والمراد بذلك التملك والتمكن من التصرف . وهذا من الأحاديث المؤولة إجماعا . إذ ما صار أحد من المشبهة إلى إثبات أصابع للّه تعالى متولجة في الصدور ، مجاورة للقلوب مجاورة الأجسام ، فلا بد من تأويل ذلك . ولعلمنا نعود إلى هذا الحديث عند كلامنا في الصفات في اليدين في كتاب « الصفات » إن شاء اللّه . فهذه جمل من الظواهر ذكرنا وجوه التأويل فيها . ومن حكمها ، وأحاط علما بها ، توصل بها إلى أمثالها . ورأينا أن نضرب عن بسط القول في تأويل المناكير مثل ما يروى « ضحك الجبار حتى بدت نواجذه » « 1 » ، وهذا لا يكاد يصح . ومن وجد متسعا في الكلام ، لم يعجزه تأويله . فإن الضحك لا يتخصص بالتبسم والقهقهة ؛ بل قد يطلق على غيره من المعاني . فيقال : ضحكت الرياض إذا تفتقت أنوارها ، وبدت أزاهيرها . ومن رأى تباشير نجح في أمر ، حسن منه أن يقال : بهج إلى النجاح ، وضحك في وجهي . والنواجد قد تطلق ، والمراد بها غير الأسنان ، فكل ما ظهر وانكشف عن كنه ما يتوقع فيه ، فقد يستعار فيه ظهور النواجذ . ومنه قول القائل : قوم إذا السرور أبدى ناجذته لهم * طاروا إليه زراقات ووجدانا فإن قال قائل : فما بال إطلاق الخلق إلى الإشارة نحو السماء بالدعوات ؟ وربما عضدوا سؤالهم ذلك بالحديث المشهور في السوداء التي سألها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : أين اللّه ؟ فأشارت إلى السماء . ولم ينكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليها ؛ بل قررها وتقريره صلّى اللّه عليه وسلّم نازل منزلة صريح لفظه . الجواب عن ذلك أن نقول : أما إشارة الداعين في دعواهم ، فلا مستروح فيه . فإنا لا نمنع أن يكون العرش وجهة قبلة للدعوات ، وجهة مثبتة لها شرعا ، وهذا كما أن البيت المحرم قبلة للطواف . ثم لم يدل استقبال جهة البيت في أصل العبادات بعد الإيمان على تثبيت المعبود بجهة استقبال المصلين ، وكذلك السجود يتخصص بجهة مخصوصة مع الاتفاق على استحالة كون القديم مختصا بجهة السجود ، وإنما ذلك بجهة لأن الشرع ورد بتخصيص بعض العبادات ببعض الأماكن ، كتخصيص الاعتكاف بالمساجد ، وتخصيص
--> ( 1 ) ضحك حتى بدت نواجذه : أي استغرق في الضحك ، وبالغ فيه .