عبد الملك الجويني
327
الشامل في أصول الدين
المناسك في الحج والعمرة ببقاع متعينة . وكما خصص الشرع بعض العبادات ببعض الأماكن ، فكذلك خصص بعضها باستقبال بعض الجهات . ثم نقول : هذا لو ساعدناكم على الإطباق على الإشارة ؛ وليس الأمر كما تظنون . فإن المعول فيما يدعي من الخلاف والإجماع على قول العلماء ، وهم أهل الحل والعقد ولا يستمر للسائل ادعاء إجماعهم فعلا ولا قولا ، وإنما يتشبث السائل بعادات لو بحثنا عنها ، لاستندت إلى العوام ، فكيف وقد روي في صحيح الأحاديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى أعرابيا ، رافعا يديه نحو السماء ، مبالغا في رفعهما فزجره عن ذلك . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يرفع يديه في الدعاء حيال صدره كاستطعام المسكين « 1 » . هكذا قاله ابن عباس « 2 » ، ووائل بن حجر « 3 » ، وابن مسعود « 4 » رضي اللّه عنهم وغيرهم من نقلة صلاة رسول صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فقد بطل ما قالوه من كل وجه . وأما حديث السوداء وقول الرسول لها ، وإشارتها نحو السماء ، فسبيل الكلام عليه أن نقول : إنما سألها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما حسبها من عبدة الأوثان ، وقدرها مشركة باللّه تعالى . وكان الذي حملها إلى مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل عن اجزائها في الكفارة إذا عتقت ، فامتحنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليستبين أنها من عبدة اللات والعزى ، أم هي من عبدة الرحمن . ثم لم يصدر منها إلا إشارة . ولقد كانت خرساء ، والإشارات لا ظواهر لها ، وإنما الظواهر الألفاظ . ولو قربت الإشارات إلى الألفاظ ، لشابهت محملاتها ، إذ الإشارة تردد بين وجوه من الاحتمالات ، كاللفظة المبهمة ، المشتركة بين وجوه من المعاني . ثم نقول : لو قلتم إنها عنت بإشارتها : إثبات الجهة للّه ، فبم تنكرون على من يزعم
--> ( 1 ) أخرجه الخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 8 / 63 ) ، وعلي القاري في ( الأسرار المرفوعة 494 ) ، وابن أبي حاتم الرازي في ( علل الحديث 291 ، 374 ) . ( 2 ) عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ( 3 ق ه - 68 ه 619 - 687 م ) أبو العباس ، صحابي جليل ، ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة . روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأحاديث الصحيحة ، وشهد مع علي الجمل وصفين ، وكف بصره في آخر عمره . توفي بالطائف . له في الصحيحين وغيرهما 1660 حديثا . ينسب إليه كتاب في « تفسير القرآن » . الأعلام 4 / 95 ، وحلية الأولياء 1 / 314 ، ووفيات الأعيان 3 / 62 - 64 . ( 3 ) وائل بن حجر الحضرمي القحطاني ( . . . - نحو 50 ه - . . . - نحو 670 م ) ، أبو هنيدة ، من أقيال حضرموت وفد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فرحب به واستعمله على أقيال من حضرموت ، وأعطاه كتابا للمهاجر بن أبي أمية وكتابا للأقيال والعباهلة وأقطعه أرضا ، ثم شارك في الفتوح ، ونزل الكوفة ، وزار معاوية لما ولي الخلافة ، فأجلسه معه على السرير وأجازه ، فرد عليه الجائزة ولم يقبلها ، واستقر في الكوفة وكان له عقب بها . وروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أحاديث . الأعلام 8 / 106 ، واللباب 1 / 303 ، وأسد الغابة 5 / 81 ، والبداية والنهاية 5 / 79 . ( 4 ) انظر ترجمته في الأعلام 4 / 137 ، وفي حلية الأولياء 1 / 124 ، وغاية النهاية 1 / 458 .