عبد الملك الجويني
321
الشامل في أصول الدين
يجب انقضائها في القطعيات . وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن الحديث المدون في الصحاح الذي لم يعترض عليه أحد من أهل الجرح والتعديل ، وهو مما يقضي به في القطعيات ، وليس من أصله أنه يبلغ مبلغ التواتر ، إذ لو بلغه ، لأوجب العلم الضروري ، ولكنه مما يوجب العلم استدلالا ونظرا . والصحيح في ذلك طريقة القاضي ، فإن الحديث - وإن رواه الإثبات ونقله بالثقات - فلم يجمع أهل الصنعة على صحته ؛ على معنى أنه منقول عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قطعا . وإنما انكف أهل التعديل عن التعرض للحديث الذي نقلوه من حيث لم يظهر لهم ما يتضمن مطعنا وقدحا في النقلة . وهم مع ذلك يجوزون على رواة الخبر أن يزلّوا ويغلطوا ، ولا يوجبون لهم العصمة . وسبيلهم كسبيل العدول المرضيين ، إذا شهدوا على حكومة في مفصل القضاء . ويشرع القاضي إلى إبرام القضية بشهادتهم ، فلا يتضمن ذلك قطعا تصديقهم ، ولكنه حكم في ذلك بما تقتضيه الظواهر ، فكذلك سبيل الإخبار . وقد تقصينا القول في ذلك في الأصول ، وأوضحنا أن الأمة لو اجتمعت على العمل بخبر من أخبار الآحاد ، فإجماعهم على العمل به لا يوجب القطع بصحته . ثم لو تقبلنا والتزمنا التأويل ، فمسلكه سهل المدرك ، قريب المتنازل في ذلك ، لأن النزول ليس من ضرورة معناه ومقتضاه أن ينبئ عن التحول والانتقال ، وشغل الجهات والزوال عن أمثالها ، إذ قد يطلق النزول فيما يستحيل فيه الزوال والانتقال . فيقال : نزل بالناس نازلة . ولا يراد بذلك انتقال شيء إليهم من قطر إلى قطر . والآيات المشتملة على إنزال القرآن تجري هذا المجرى ، وليس المراد بإنزاله نقله من موضع إلى موضع . هذا ما صار إليه أهل التحصيل ، ولا اكتراث بقول الجهلة الحشوية في اعتقادهم أن الكلام ينتقل من جهة إلى جهة ، فإن أهل التحصيل على مذهبين : فمنهم من حكم بقدم الكلام ، وهم الذين صاروا إلى أنه صفة قديمة ، قائمة بذات الرب ، يستحيل عليها الزوال والانفصال . ومن حكم بحدث الكلام ، منع انتقاله أيضا من حيث كان عرضا . فقد وضح أن النزول يطلق فيما يستحيل فيه الانتقال والزوال . وقد قامت الدلالة القاطعة على استحالة الانتقال على القديم . وأقرب الناس إلى التزام الكفر الصراح من جوّز على الرب الانتقال . فإن من أوضح دلالات حدث الجواهر ، جواز انتقالها . فإذا حمل النزول فيما قامت الدلالة على استحالة انتقاله كالأعراض على غير انتقال ، فيجب حمل النزول في الحديث على غير الانتقال ، ثم السبيل فيه أن يقال : المعنى بالنزول ظهور أحكام اللّه تعالى في السماء الدنيا ، واستيفاضه آيات الرحمة . كما أن المعنى بنزول القرآن إلى أهل السماوات والأرض تثبيت الإفهام لهم ، وتخصيصهم بالعلم . والذي يحقق ذلك أن المقصد من الحديث ، اختصاص