عبد الملك الجويني
322
الشامل في أصول الدين
بعض ساعات الليل وآناته برحمة اللّه ورأفته ، وتوقع إجابة الدعوات فيه . فهذا مقصد الحديث ومساقه ، والرب سبحانه وتعالى موصوف بالاقتدار على ذلك من غير تقدير انتقال . ولو قدر زائغ انتقالا ، فلا أثر له فيما هو مقصد الحديث ، والملتمس من مساقه . والذي يوضح ما قلناه : اتفاق المسلمين على أن المعنى بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى يقول إذا تقرب العبد مني ذراعا ، تقربت منه باعا ، وإذا أتاني يمشي ، أتيته أهرول » « 1 » ؛ محمول على غير الانتقال والزوال . وإنما المراد به إزلاف الدرجات ، والتمسك بما فيه مرضاة اللّه من الطاعات . والمراد بقرب اللّه إحسانه ، وتفضله ، وقبوله الطاعات من أوليائه . ولم يحمل أحد من أهل التحصيل هذا الحديث على ظاهره . فسبيل التأويل في النزول يداني ذلك ؛ بل ما قلناه في النزول أظهر منه في المشي والهرولة ، والقرب المقيد بالذراع والباع . وعلى قريب من ذلك ، حمل المسلمون ما روى عن النبي صلى اللّه [ عليه وسلم ] أنه قال لا يوطئ المؤمن المسجد إلا يتشبث اللّه به ، كما يتشبث أهل الغائب بمقدمه » « 2 » ، فهو محمول على وقوع ذلك من العبد موقع الرضا . ومن تدبر موارد هذه الأحاديث ، ألفاها متقاربة في المعنى ، راجعة إلى تقرب الرضا ، ورفع الدرجات . فهذه أوجه ظاهرة في تأويل النزول . وقال بعض أهل التأويل : المعنى بنزول اللّه ؛ نزول ملائكته المقربين ، الحافين حول العرش ، وتضمن الحديث بتضمنهم من حيث ذكر اسم اللّه تعالى ، وحذف ذكر الملائكة . وسبيل ذلك ، كما تقدم في قوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المائدة : 33 ] . وقوله : الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 57 ] . وهذا الوجه حسن في التأويل أيضا . وذكر بعض المحصلين وجها آخر في التأويل فقال : المراد بالنزول انبساط رحمة اللّه في هذا الوقت المعلوم ، وتعظيم أقدار عبيده ، وتنفيذه النعمة فيهم ، وتخصيصه إياهم بالطاعة . ولو أطلق النزول في حقوقنا ، لأنبأ عن التواضع والانسلال عن التكبر والاغترار . إذ قد يقول القائل إذا تواضع الملك : قد نزل إلى الدرجة الدنيا . والمراد تواضعه . وإذا ذكر ذلك في صفات اللّه عز وجل ؛ فالمراد بذلك ألطافه ورأفته . وهذا واضح أيضا ، جار في مذاهب الكلام .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( توحيد 15 / 50 ) ، ومسلم ( ذكر 20 ، 21 ، 22 ) ، ( توبة ، 1 ) ، والترمذي ( دعوات 131 ) ، وابن ماجة ( أدب ، 58 ) ، وأحمد بن حنبل 2 - 413 ، 435 ، 480 ، 482 ، 509 ، 524 ، 534 ، 3 - 40 ، 122 ، 127 ، 130 ، 273 ، 5 - 153 ، 155 ، 169 ، 351 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( مساجد ، 19 ) ، وأحمد بن حنبل 2 ، 307 ، 328 ، 340 ، 453 .