عبد الملك الجويني
320
الشامل في أصول الدين
ومما يسأل عنه قوله تعالى : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 14 ] . وقوله : وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [ طه : 39 ] . وقد أكثر أهل التأويل في قوله : « تَجْرِي بِأَعْيُنِنا » . فصار صائرون إلى أن المراد به أنها تجري ولا تعطب في فوج كالجبال ، بكل آية اللّه وحفظه . وقد يقول القائل : بعين منك . هذا إذا استودعه شيئا واستحفظه . وكذلك يقول : هذا بمرأى منك ومسمع . فهذا وجه حسن ، وإليه صغوا أهل التأويل . ولا بعد في حمل الأعين على البصر ، ولا استنكار في ورود صيغة الجمع تعظيما ، كما قال : نَحْنُ قَسَمْنا [ الزخرف : 32 ] . وكما قال : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ [ المؤمنون : 18 ] ، وهو الفرد الواحد . وأثبت بعض أئمتنا عينين ، صفتين ، ثابتتين سمعا على ما نذكره في الصفات إن شاء اللّه . وإن نوقش هذا القائل في صيغة الجمع ، هان عليه الانفصال . إذ قد يعبر العرب بصيغة الجمع على التثنية ، وأمثلة ذلك تعدو الحصر . وذهب بعض الناس إلى أن المعنى بقوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا ؛ أي بالأعين من عبادنا ، المبتغين للنجاة من الهلكة . ويجوز أن يقال : أراد بالعين الأعين المنتحشة بالماء ، فإن الأرض انفجرت عيونا بأمر اللّه تعالى لما فار التنور . والوجهان الآخران ، وإن أمكن القول بهما فالذي تقدم عليهما أحسن منهما . وأما قوله في مخاطبة موسى وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي . فقد قال المفسرون قاطبة معناه : ولتربي بمرأى مني وحفظ . واعلموا أن من غفل فيمن يجب عما ذكرناه ، وسأل ، لم يسترب في تأويل مثل هذه الآية ، إذ موسى - صلوات اللّه عليه - تربى ونمى في الأرض ثم تزكى ، وتنبى ، وتخصص بكرامة اللّه تعالى واصطفائه إياه ، فلا يخطر لمحصل حمل ذلك على غير الوجه الذي ذكرناه . فهذه جمل من ظواهر القرآن . ونحن الآن نذكر جملا من ظواهر السنّة ، ونحقق وجه التأويل فيها . فمما يجب الاعتناء به حديث النزول ، فإنه مما روته الأئمة في الصحاح من الأسانيد ، وهو ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة جمعة » « 1 » الحديث . وروي كل ليلة ، فذكر القاضي ذلك من الآحاد ، وقد قدمنا أن أخبار الآحاد لا
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في ( جمع الجوامع 5343 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 3397 - 22394 ) والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 1 / 365 ) ، والطبراني في ( المعجم الكبير 9 / 45 ، 12 / 426 ) ، وصاحب ( الإتحافات السنية 150 ) ، وابن الجوزي في ( العلل المتناهية 2 / 68 ) ، والألباني في ( السلسلة الضعيفة 379 ) .