عبد الملك الجويني

317

الشامل في أصول الدين

في الآية المواعيد التي انطوت عن الخلق عواقبها كمواقع الحشر والنشر ، والساعة ، وهي التي تقلب في السماوات والأرض ، لا تأتي إلا بغتة ، فوبخ اللّه تعالى الكفرة المعترضين عما ظهر من الآيات الباهرة المتشبثين باستعجال ما توعدوا به من العذاب والعقاب ، وباستكشاف موقع الساعة ومرساها ، ومختتم الدنيا ومنتهاها ، فوبخهم اللّه تعالى لما صرّوا بالمتشابه ، وانحجروا عن المتبين في الآيات الناجرة عتوا منهم وعنادا ، وتعللا في دفع الحق . وهذه الآية المطلقة فسرتها آية من كتاب اللّه واضحة ، مشتملة على ذكر مسألتهم عن الساعة ، واستعجالهم العذاب وابتغائهم استزلال الناس والفتن بالتأويل . إذ مآل الوعد والوعيد هو وقوعهما . وقد سمى الرب تعالى القيامة تأويلا في قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا [ الأنعام : 158 ] تأويله ، وهذا أحسن الوجوه في الكلام على الآية . وتكلم بعض الناس عليها من وجهين آخرين : أحدهما : أن التوبيخ إنما لحق من تتبع المتشابه ، وأضرب عن المحكمات ، وهذا ظاهر الآية ، وهو مستنكر وفاقا . فإن رام تأويل المتشابهات ، قبل العلم بالمحكمات ، ذلّ وضلّ . فإن سبيل التأويل رد المتشابه إلى فحوى المحكم . والوجه الآخر أن الآية إنما اشتملت على توبيخ من يبتغي الفتنة مع انتفاء التأويل وهذا منهي عنه وفاقا . فإذا تمهدت هذه الطريقة ، وهي المرضية ، فقد ذكر أهل التأويل في قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] وجوها : فذهب بعضهم إلى أن المراد بالاستواء الاقتدار ، والقهر ، والغلبة ، وذلك سائغ في اللغة ، شائع فيها . إذ القائل يقول : استوى الملك على الإقليم ؛ إذا احتوى على مقاليد الملك فيه . ومنه قول القائل : قد استوى بشر « 1 » على العراق * من غير سيف ولا دم مهراق وقال الآخر : ولما علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر فإن قال قائل : الاستواء المحمول على الاستعلاء ينبئ عن سبق مغالبة ، وتقدم

--> - للزجاج مناقشات مع ثعلب وغيره . من كتبه « معاني القرآن » و « الاشتقاق » وغير ذلك . الأعلام 1 / 40 ، ومعجم الأدباء 1 / 47 ، ووفيات الأعيان 1 / 49 - 50 وهو فيه « إبراهيم بن محمد » . ( 1 ) بشر بن المعتمر الهلالي البغدادي ( . . - 210 ه - 825 م ) أبو سهل ، فقيه معتزلي مناظر ، من أهل الكوفة . تنسب إليه الطائفة « البشرية » منهم . له مصنفات في « الاعتزال » منها قصيدة في أربعين ألف بيت ردّ فيها على جميع المخالفين ، ومات ببغداد . الأعلام 2 / 55 ، ودائرة المعارف الإسلامية 3 / 660 ، وطبقات المعتزلة 52 .