عبد الملك الجويني
318
الشامل في أصول الدين
مقاومة ومكافحة . قلنا : هذا ظن منكم . فإن الاستواء ليس من ضرورته الاستخبار عن مغالبة ، إذ لو أنبأ الاستواء عما قلتموه ، لأنبأت عنه الغلبة أيضا ، واللّه تعالى غالب على أمره ، ويتعالى عن أن يغالب . ثم نقول : لو أنبأ الاستواء في حكم القهر عن تقدم نقيض له ، لأنبأ استواء الذات عن تقدم عوج يناقضه . وملتزم ذلك منسل من الدين . فإن قال قائل : فما وجه التخصيص بالعرش ؟ قلنا : يخصص اللّه بذكره من يشاء تشريفا وتعظيما . وهذا كتخصيصه بعض الأنبياء بالذكر ، وتخصيصه الروح من الملائكة بالذكر في قوله : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ النبأ : 38 ] وأمثلة ذلك لا تحصى . ولنا أن نقول : خصص العرش بالذكر من حيث كان أعظم المخلوقات في أوهام البرية ، ونبّه بذكر الاقتدار عليه على ما دونه كما نبّه بالنهي عن التأفيف عما فوقه من ضروب التعنيف . وهذا مسلك التفاسير في الكلام . وهذا الذي ذكرناه وجه . وذكر بعض الأئمة في تأويل الآية أن معنى الاستواء : القصد والإرادة ، واستواء الرب على عرشه . قصد إلى فطرته ، وخلقه ، وإبداؤه ، وإرادته : تدبيره وتقديره على ما أراد . انتهى . وقد قال تعالى للذي يهم منا بالأمر إذا أوقعه ، قد استوى على العمل . وقد سئل سفيان الثوري « 1 » عن هذه الآية في مجمع عظيم من مجامع العلماء بالعراق ، فحمل الاستواء على هذا المحمل ، واستشهد بقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] . يعني قصد وأراد خلقها . فلما قال ذلك ، لم يبد إليه نكير من أهل المجلس . ويجوز حمل الاستواء على العلو ، والرفعة ، والجلال ، والعظمة ، لا بالمقابلة والمماسة . وظن بعض الجهلة أن المتمسك بهذا التأويل يحمل قوله : علا ، [ على ] الفعل الصادر من العلو . واعترض هذا الظان فقال : لو كان كذلك لانتصب العرش ركزا ، وهذا لا تحقيق
--> ( 1 ) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ( 97 - 161 ه - 716 - 778 م ) من بني ثور بن عبد مناة ، من مضر ، أبو عبد اللّه . أمير المؤمنين في الحديث ، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى . ولد ونشأ في الكوفة ، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم ، فأبى ، وخرج من الكوفة ( سنة 144 ه ) فسكن مكة والمدينة ، ثم طلبه المدي ، فتوارى وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيا . له من الكتب « الجامع الكبير » و « الجامع الصغير » كلاهما في الحديث ، وكتاب في « الفرائض » . الأعلام 3 / 104 - 105 ، وحلية الأولياء 6 / 356 ، 7 / 3 ، وتهذيب التهذيب 4 / 111 - 115 ، ووفيات الأعيان 2 / 386 - 391 .