عبد الملك الجويني
316
الشامل في أصول الدين
ومما نقل عنه الاكفاف عن تأويل هذه الآية ، مالك « 1 » رضي اللّه عنه ، فإنه سئل عنها فقال : الاستواء معقول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . فإن سلك سالك هذه الطريقة ، وكان يعتقد تقدس القديم عن مشابهة الحوادث ، ويؤمن باستوائه على عرشه ، وينكف عن تكييفه وتأويله ، فلا يعترض على من قال ذلك بما يقطع به . ثم نقول للمتمسكين بالآية ، المدعين التمسك بالظواهر : ليس لكم المزيد على ظاهرها وتعدي مطلقها . وقد سلك معظم أهل الحجاج طريقة التأويل ، وقد قدمنا في ذلك طرقا ، وبينا أن الذي يجتنبه أصحاب الظواهر إزالتها وتغييرها . ومن ينتمي إلى الحق من الأئمة ومخلصي الأمة يعترف بتقدس الرب عن الجهات والمقابلات . وليس هذا مما يسع جهلة ، إذ الترخيص في جهل ذلك يتداعى إلى جملة العقائد ، ومن أبدى في ذلك ريبا ؛ فليسا منا ولسنا منهم . فإذا اعترف هؤلاء بإزالة الظواهر . إذ الاستواء المطلق المضاف إلى الأجسام ظاهره ينبئ عما ينتحيه المشبهة ، ويبتغيه المجسمة ، والمعترف بزوال الظواهر مترق عن الوقفة . فإنا نعلم أن الاستواء إذا لم يكن تمكنا بالذات ، وتخصصا ببعض الجهات ، فلا بد أن يرجع إما إلى معنى القهر ، وإما إلى معنى علو العظمة ، وإما إلى فعل من أفعال اللّه عز وجل ، ولا مزيد على هذه الأقسام . وإنما كان يستتب ، لو كان يتم للمعتقد تجويز إجراء الآية على ظاهرها ، وتجويز تأويلها فكان يتقرر الوقف على ذلك . وأما الآية فالكلام في الوقف عليها من أوجه : أحدها : أن من القراء من يقف على قوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران : 7 ] ، وتقدير قوله « يَقُولُونَ » استئنافا . ولا يبعد أن يقال « يَقُولُونَ » في محل الحال للراسخين ، وكأن التقدير : والراسخون في العلم قائلين آمنا به . ومن سلك هذه الطريقة ، لم يقف على قوله « فِي الْعِلْمِ » . والوجه الآخر في الكلام ما ارتضاه الزجاج « 2 » حيث قال : أراد الرب تعالى بالمتشابه
--> ( 1 ) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري ( 93 - 179 ه - 712 - 795 م ) أبو عبد اللّه ، إمام دار الهجرة ، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ، وإليه تنسب المالكية ، مولده ووفاته في المدينة ، كان صلبا في دينه ، بعيدا عن الأمراء والملوك ، وشيء به إلى جعفر عم المنصور العباسي فضربه ، وسأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به ، فصنف « الموطأ » وله رسالة في « الوعظ » وكتاب في « المسائل » وغير ذلك . الأعلام 5 / 257 - 258 ، وتهذيب التهذيب 10 / 5 ، ووفيات الأعيان 4 / 135 - 139 . ( 2 ) إبراهيم بن السري بن سهل ( 241 - 311 ه - 855 - 923 م ) أبو إسحاق الزجاج ، عالم بالنحو واللغة ولد ومات في بغداد . كان في فتوته يخرط الزجاج ومال إلى النحو فعلمه المبرد ، أدّب ابن عبيد اللّه بن سليمان إلى أن ولي الوزارة مكان أبيه ، فجعله القاسم من كتابه فأصاب في أيامه ثروة كبيرة ، وكانت -