عبد الملك الجويني

307

الشامل في أصول الدين

المراد بذلك صدور القطع منه ، ولكن من حيث كان آلة في القطع على مستقر العادة ، فسمي قاطعا تجوزا ، فلا معوّل على المتوسعات في بغية الحقائق . ثم نقول لهم : هلا طردتم أصلكم ، وقلتم للكاتب كاتب بالكاتبية ؟ وكذلك القول في الحرف والمحترفين بها . وقد امتنعوا عن طرد ذلك فيما ذكرناه . فصل [ استحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى ] اعلموا وفقكم اللّه أنه لا يستقيم على أصول المعتزلة إقامة الدلالة على أن القديم تعالى لا يقبل الحوادث ، إذ العمدة في المسألة على أن ما يقبل الحوادث لا يخلو منها ، وهذا لا يستمر على أصولهم مع قولهم : يجوز تعري الجواهر عن كثير من أجناس الأعراض مع صحة قبولها لها على ما سبق تفصيل مذهبهم . فلا مطمع لهم في طرد هذه الدلالة . وكذلك لا يصح منهم توبيخ الكرامية في نقضهم العلل . والمعتزلة قد نقضوا العلل حيث أثبتوا الأحكام المعللة شاهدا ، وأثبتوها غائبا غير معللة . وكذلك لا تمسك لهم بإيجاب كون القديم قائلا بالقول القائم به ، إذ يبطل عن مذهبهم من أوجه : فمن أقربها : أنهم أثبتوا للذات حكما مما لم يقم بها ، فما المانع من نفي الحكم عن الذات مع قيام المعنى بها ، فليس إثبات الحكم للذات دون قيام المعنى بها بأقرب من نفي الحكم مع قيام المعنى . وتحصيل القول في ذلك أنه إنما يستمر استبعاد انتفاء الحكم عمن قام به المعنى ممن يخصص ثبوت الحكم بمن قام به المعنى ، وينفيه عمن انتفى عنه المعنى . ومما يصد المعتزلة عن هذه النكتة قولهم : إن العلم القائم بجزء من الجملة لا يوجب له كونه عالما ، بل العالم ، الجملة ، ويستوي في استحقاق الوصف الجزء الذي قام به المعنى والذي لم يقم به ، ولا يخص محل العلم بحكم منه . ولا يستقيم أيضا من المعتزلة أن ينكروا على الكرامية قصرهم القدرة على الذات وتعديتهم أمر القول . ومن أصلهم أن القدرة الحادثة لا يتعدى الحادث بها محلها ، والاعتماد الحادث في محل القدرة يتعدى أثره محله ، ولا يستقيم منهم استبعاد ثبوت محدثات غير مقدورة مع مصيرهم إلى أن الأفعال المتولدة حادثة بالأسباب ، غير مقدورة . وقد انسدت عليهم المسالك ، وصدهم تناقض مذهبهم عن كل منهاج في الحجاج .