عبد الملك الجويني

308

الشامل في أصول الدين

فصل [ ما الدليل على امتناع اتصاف القديم في الأزل بجنس من أجناس المعاني ] فإن قال قائل : قد أقمتم الدليل على استحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى . فما الدليل على امتناع اتصافه في الأزل بكون قديم ، أو طعم ، أو ريح إلى غير ذلك من أجناس المعاني ؟ قلنا : [ أمثل ] الطرق في ذلك أنا لو قدرنا كونا قديما ، لما كان بعض الأكوان أولى من بعض ، فإن جميعها متساوية في حكم التجويز . فلا يقدر المقدّر جنسا منها إلا وللغير تقدير غير ما قدر . وكل ما يستوي في حكم العقل تقديره وتقدير ضده ، استحال اتصافه بالقدم . فإن القديم هو الواجب وجوده ، الممتنع تقدير انتفائه . وهذا هو المعنى بقول الأئمة : إن القديم واجب وجوده ، والحادث جائز وجوده . وهذا مما يجب الاعتناء به ، والغرض درك معناه . فإن قال قائل : فما المانع من وقوع شيء قديم اتفاقا مع أنه يجوز في العقل تقدير غيره ؟ قلنا : هذا ما لا سبيل إليه . فإن القديم هو الذي لا يجوز تقدير انتفائه أصلا ، وبه يتميز عن الحادث ، إذ الجائز يفتقر إلى مخصص ، ولا يجوز تقديره مختصا بالوقوع مع تقدير تجويز انتفائه إلا أن يخصصه مخصص . فإن قال قائل : لو لم تحدث الأفعال ، لما كان على وجوب وجود القديم دليل . قلنا : هذه غفلة عظيمة ، وقد أطلق كثير من المحققين أقوالهم بأن الفعل لو لم يكن ، لم يدل على القديم دليل . وقد قال القاضي : جواز حدوث العالم قبل حدوثه دليل على الصانع ، إذ جواز الحدوث معلوم ، واستحالة الحدوث دون المخصص معلوم . فلو قدر مقدر انتفاء القديم ، لأفضى ذلك إلى انتفاء جواز الحدوث ، وذلك محال فإن تقدير الجائز محالا ؛ كتقدير المحال جائزا . وأوضح القاضي ذلك بأن قال : لو بلغ البالغ مبلغ النظر ، ورام التوصل إلى معرفة الصانع بتجويز حادث ، ولم يفكر في الكائنات ؛ لأداه النظر إلى العلم . فوضح لنا بما ذكرناه أن كل قديم استحال في العقل تقدير نفيه ، ولو قدّر لأفضى إلى قلب الحقائق . وليس في تقدير نفي لون معين ما يفضي إلى استحالة وقلب حقيقة . وهذه الدلالة هي العمدة . وهي