عبد الملك الجويني

304

الشامل في أصول الدين

وجوده ، إذ وجه الافتقار المتجدد إلى القدرة ؛ حدوثه ، ووجوده عن عدم . وهذا متحقق فيما سموه حادثا ومحدثا . ثم نقول : هلا جوزتم أن تؤثر القدرة القديمة في إثبات الجواهر وأعراضها من غير تقدير واسطة ؟ فإن زعمتم : أن القدرة اختصت بإثبات حادث في محلها ، فهلا قلتم إن القول الحادث يختص بإثبات حادث في محله ؟ ولو جاز تأثير القول مما لم يقم به ، فما المانع من ذلك في القدرة ؟ أو نقول لهم : فهلا وقع الاكتفاء عن القول بالقائلية لولا الخبط ، والتخليط ، وإسناد العقائد إلى التعلل بالأماني ؟ وسنوضح [ ذلك ] في القدر عند ردنا على أبي الهذيل العلّاف في قوله تحدث الحوادث ، بقوله تعالى : « كُنْ » ، وهو في غير محل عنده . وسنوضح استحالة تأثير القول في الاختراع في كتاب « القدر » إن شاء اللّه . ثم نجر عليهم فيما ذكروه من الإرادة والمشيئة قريبا مما قدمناه ، فلا معنى للإعادة ، وموضع استقصائه كتاب « الإرادة » . ومما نستدل به أن نقول : قد قلتم باستحالة عدم الأقوال القائمة بذات الرب وأحلتم خلو القديم عنها بعد قيامها به ، وهذا تطرق إلى هدم أصول ؛ منها : الحكم بجواز وجود الحادثات ، وتخصيص وجوب الوجود للقديم . وهذا الذي ذكروه من استحالة عدم الحوادث ؛ يجزم هذا الأصل . ثم نقول : الأقوال عندكم أصوات وهي مختلفة ، ومختلف الأصوات متضاد كمختلف الألوان ، فإنا كما نعلم استحالة قيام السواد والبياض بالمحل الواحد ، فكذلك نعلم استحالة قيام صوت جهوري وصوت آخر خفيض بالمحل الواحد . فلو قامت الأقوال - وهي أصوات متضادة - بذات القديم ؛ للزم من ذلك أحد أمرين : إما تجويز اجتماع المتضادات ، وإما المصير إلى انقسام القديم واختصاص كل جزء بقول . وهذا مما قدمنا إبطاله عند ردنا على المجسمة . ولو قالوا باكتفاء الأصوات السابقة عند معاقبة أضدادها لها ، لكان ذلك نقضا منهم لأصلهم . ثم نقول : لو جاز الحكم بلزوم بقاء الحوادث القائمة بذات الرب تعالى ، لوجب ذلك في الحوادث القائمة بالجواهر حتى يقال : إنها تبقى ما بقيت الجواهر . فإذا اضطررناهم - بما ذكرناه - إلى تجويز انتفاء الحوادث القائمة عندهم بذات القديم - تعالى عن قولهم - عند معارضة أضدادها ، فنبني على ذلك ما قررناه في صدر الكتاب ، ردا على المعتزلة ، ونقول : إذا كان الحادث لا ينتفي إلا بضده ، فيلزم من ذلك استحالة التعرّي عن الحوادث بعد قيامها ، فيجب طرد ذلك عموما . وقد ذكرنا في ذلك طرقا قاطعة عند ردنا على المعتزلة في قولهم ؛ تتعرى الجواهر عن الألوان ابتداء ، مع منع التعري عنها بعد قيام الألوان بالجواهر .