عبد الملك الجويني
305
الشامل في أصول الدين
ومما تمسك به الأئمة في المسألة أن قالوا : لو قبل القديم - تعالى عن قولهم - حادثا ، لقبل كل حادث ، إذ لا اختصاص لبعضها . وهذه دلالة قوية ، وقد ذكرناها في مسألة الجهات ، وتقصّينا عما يلزم عليها ، وسنفردها بالذكر بعد ذلك إن شاء اللّه . واعلموا أن الكرامية تمسكوا بشبه المعتزلة في الحكم بحدث القرآن ، وسنذكر جميعها في باب إثبات قدم كلام اللّه ، تعالى عن قول الزائغين ، ونتقصى عنها إن شاء اللّه عز وجل . ثم نخصصهم الآن بداهية الدهر ، وقاصمة الظهر ، ونقول لهم : كل شبهة للمعتزلة في استبعاد القول القديم ، تنعكس عليكم في القائلية . فإن مما أنكره المعتزلة واستبعدوه ، أن يثبت قول قديم هو قوله لموسى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ البقرة : 22 ] . وهذا لا يستمري الكرامية مع قولهم : إنه تعالى كان قائلا في أزله ، وهو قائل لموسى بغير قول حادث ، فلم تغنهم تشغيبات المعتزلة وتمويهاتهم مع ما انفردوا به . ومما نفزعهم به أن نقول : هل يقول الرب تعالى لشيء : كن ؟ فإن قالوا : أجل . قيل لهم ؛ يقول بالقول أم بالقائلية ؟ فإن قالوا : يقول بالقول . قيل لهم : فكيف يقول بما ليس بقائل به ؟ وإن قالوا : يقول بالقائلية « كن » ، فأي حاجة إلى القول ، وقد أغنت عنه القائلية ؟ ! وهذا ما لا مخلص عنه إلى النباذ . فصل [ القديم غير خالق في أزله بالخالقية ] قد ذكرنا في خلل الكلام من مذاهب الكرامية ، أنهم وصفوا الرب تعالى بكونه خالقا في أزله . وبنوا ذلك على أصلهم في أن الرب سبحانه لا يثبت له اسم جديد فيما لا يزال ، لم يكن ثابتا له في الأزل . وقد صار بعض المنتمين إلى أصحابنا إلى أن القديم كان موصوفا في أزله بكونه خالقا ، وعنى هؤلاء بذلك كونه قادرا على الخلق والاختراع . والاختلاف يؤول إلى العبارات دون المعاني . وسلك الكرامية مسلكا آخر ، فزعموا أن القديم خالق في أزله بالخالقية ؛ ولم يفسروا ذلك بالاقتدار على الخلق . وهذا الذي قالوه باطل من أوجه : أحدها : أن الخالق مبني على قضية الإطلاق على الأفعال ، مسند إليها ، جار عليها . فإذا استحال إطلاق ما عليه يجري الاسم ، استحال إطلاق الاسم . وبيان ذلك أن الأمة أجمعت على منع إطلاق القول بأن