عبد الملك الجويني
303
الشامل في أصول الدين
وعكسها . فإن من أثبت الحكم بلا علة ، فقد قدح في عكسها ، ومن أثبت العلة بلا حكم ، فقد قدح في طردها . وقد التزم الكرامية الأمرين . ومما يوضح فساد قولهم في ذلك أن نقول : لو كان الاكتفاء بالقائلية في كون القديم قائلا ، لوجب الاكتفاء بالعلمية وبالقادرية عن العلم والقدرة . وهذا ما لا جواب فيه . ونقول أيضا : قد أعطيتمونا اتصاف الواحد منا بكونه قائلا عند قيام القول به ، فلو جاز أن لا يتصف القديم بقوله ، جاز أن لا يتصف بأقوالنا . وسبيل التحقيق في ذلك أن نقول : إنما ثبت الحكم للمحل من المعنى لقيام المعنى به . فلو قال القائل : لم اختص محل العلم بكونه عالما به ؟ لكان الجواب عن ذلك : أنه اختص بكونه عالما من حيث اختص العلم بالقيام به . فلو جاز تقدير معنى قائم بمحل ، والمحل غير متصف به ، لزم طرد ذلك في جملة الصفات ومحالها ، وإنما اخترنا طريقة الإيجاز في الإيماء إلى النكت والإضراب عن بسطها لوضوحها ، وعلمنا باستقلالكم بتقريرها . ومما نتمسك به طريقة ذكرها الأستاذ أبو إسحاق ، وهي تقوى جدا ، إذا قصدت بها هدما وردا . وذلك أنه قال : من أصول الكرامية أن القديم متحيز مقابل العرش ، وهو عندهم أكبر من كل كبير بذاته ، وليس من أصلهم أنه يقابل جوهرا واحدا من جواهر العرش . فإذا وضح ذلك من أصلهم ، قال لهم الأستاذ مرتبا على ذلك : قد أعطيتمونا استحالة قيام عرض واحد بجوهرين فصاعدا ، وهذا يتضمن ثبوت حكم التعدد للعرض ، وإن لم يكن يتعدد في نفسه . فإذا استحال قيام الحادث الواحد بجوهرين من جواهر العرش مثلا ؛ فكيف يقوم الحادث الواحد بما يقابل جميع العرش ، ولا نهاية له في جهة فوق ؟ وهذا يظهر إلزامه ، ولست أوثر التمسك به في إثبات ما نرومه على قضية مذهبنا . فإنا لسنا نعني بانتفاء النهاية عن الرب ذهابه في الجهات ؛ بل نعني بذلك انتفاء تحيزه ، ووجوب تقدسه في كونه حجما . والأقدار والحدود والنهايات إنما تثبت للأحجام والأجرام الشاغلة للأحياز ، وعلى قضية ذلك لا يقوى ما قدمناه ؛ بل هو ظاهر إلزاما . ومما نعتصم به أن نتعرض لهم في أصلين ، رامزين ، مشيرين ، محيلين استقصاءهما على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى . أحدهما : أن نقول : قد زعمتم أن جواهر العالم وأعراضه لا تحدث بالقدرة ، وليست بمقدورة للّه . ولئن جاز استغناء موجود ، مفتتح للوجود عن القدرة ، جاز ذلك في كل مفتتح