عبد الملك الجويني
302
الشامل في أصول الدين
أشرنا إليه . ويفضي ذلك إلى بطلان سبيل الأدلة على قدم السمع والبصر والعلم ، وهذا ما لا مخلص لهم منه . ومما نتمسك به أن نقول : قد أعطيتمونا استحالة قيام الألوان الحادثة بذات القديم ، وكذلك قولهم في الطعوم والروائح والحرارة والبرودة ، وهذا مما لا يجدون فيه فصلا ؛ فإن الأكوان أعراض كالأقوال . ومن أصلهم أنه يجوز تعري الجواهر عن الأكوان والطعوم والروائح كما يجوز تعريها عن الأقوال . فيقال لهم : هلا جوزتم حدوث الألوان قائمة بالقديم حيث لا يلزم من صحة قبولها استحالة التعري عنها ، كما لا يلزم ذلك في القول والإرادة ، وهذا ما لا مخلص منه . وعلى هذا الوجه يلزمهم تجويز حدوث اعتماد قائم بذاته ، ولا يبعد لزوم ذلك على أصلهم مع قولهم بأن القديم - تعالى عن قولهم - مختص بما كان ، وما هو كائن ، وبما يكون . ومما راموا به التخلص والفصل أن قالوا : ليس في الألوان ما يقتضي العقل باختصاصه بالثبوت وليس كذلك الكون ، فإن الكون المخصص بجهة العلو أشرف من الأكوان المخصصة بسائر الجهات . وهذا الذي ذكروه لا محصول له ، وهم فيه منازعون ، مطالبون بإبداء الدليل على اختصاص بعض الأكوان بالشرف ، ثم لا يسلمون عمن يقابلهم بادعاء مثل ذلك في بعض الأكوان . ومما يعظم موقعه عليهم أن نقول : هلا صورتم أن يحدث في ذاته كونا يقتضي تخصصه بالجهة التي اقتضى الكون القديم التخصص بها ؟ ومن أصلهم جواز قيام مثلين بالمحل الواحد على ما صار إليه المعتزلة . وقد أبوا قيام كون حادث به . ومما يداني ذلك أن نقول : ما المانع من حدوث علم قائم به مع العلم القديم ، كما قدمت به الإرادة الحادثة مع المشيئة القديمة ؟ وهذه النكت التي ذكرناها ، قواطع لا مخلص لهم عن شيء منها . ومما يقوي التمسك به أن نقول : قد قلتم إن القديم ليس بقائل بالقول الحادث . وهذا يهدم عليكم أحكام المعاني وطرائق العلل ومعلولاتها ، وهذا تطرق إلى نفي الصفات القديمة بطريق العلل . وأصلهم يصدهم عن طرد ذلك ، وذلك أنهم جوزوا ثبوت حكم القول بلا قول ، وثبوت القول من غير أن يصدر حكمه لما قام به القول . وهذا قدح في طرد العلة