عبد الملك الجويني
301
الشامل في أصول الدين
ومن أصلهم : أن تقوم به إرادة حادثة ، ولم يزد كثير منهم على هذين القبيلين . وزاد بعضهم ضربين من الحوادث آخرين : أحدهما : سموه سمعا ، والآخر : سموه تبصرا : ولم يرجعوا في تفسيرهما إلى دليل . ومما يجب الإحاطة به من أصلهم أن نعلم أنهم يقولون : الباري سبحانه وتعالى ، وإن قامت به الحوادث ، فليس يتصف بها . فزعموا أن القول يقوم به ، وهو ليس بقائل بذلك القول ، وكذلك قولهم في الإرادة ؛ بل هو قائل عندهم بالقائلية . ومن أصلهم أن جملة أسماء اللّه تعالى أزلية ، ويستحيل أن نثبت له اسما فيما لا يزال ، لم يكن ثابتا قبل . ومن هذا سموه خالقا ، رازقا في أزله مع انتفاء الخلق والرزق . وزعموا أنه خالق بالخالقية ، ورازق بالرازقية ، ثم لم يطردوا جهالتهم هذه في سائر الصفات ؛ بل قالوا : إنه تعالى عالم بعلم قديم ، قادر بقدرة قديمة ، شائي بمشيئة قديمة ، حيّ بحياة قديمة . ومما اختصوا به وتفردوا بالابتداع فيه فصلهم بين قول اللّه تعالى وكلامه ، فقوله حادث عندهم ، كما قدمناه ، وكلامه قديم . ثم الكلام عندهم : هو القدرة على التكلم ، والقرآن قول اللّه تعالى وليس بكلامه عندهم . ومما أبدعوا أن قالوا : كل وصف حدث قائم بذات الرب سبحانه وتعالى عن قولهم ، فيجب بقاؤه ويستحيل عدمه . فهذه عقود مذهبهم في الحوادث والمحدثات . والدليل على فساد ما صاروا إليه : أنه تعالى لو قبل الحوادث ، لاستحال خلوه منها ، ولو لم يخل منها ، لم يسبقها . وهذا الأصل قد قدمنا إيضاحه في صدر الكتاب عند ردنا على المعتزلة في قولهم بجواز تعري الجواهر عن الألوان مع صحة قبولها لها ، وكل نكتة طردناها ثم تعود هاهنا . ومن أقرب ما نتمسك به أن نقول : قد أعطيتمونا معاشر الكرامية أن القول لا يقوم إلا بحيّ ، ولم تسلكوا مسلك المعتزلة حيث قالوا بجواز قيام ضروب الكلام بالجمادات . فإذا وضح ما قلناه من أصلهم ، فيلزمهم ما لا محيص لهم عنه . فإن من أصلهم استحالة تعري الحيّ عن السمع وضده ، والبصر وضده ، والقدرة وضدها . ثم القول عندهم من صفات الأحياء ، فيلزمهم أن لا يجوزوا التعري عنه وعن ضده كما لم يجوزوا ذلك فيما أشرنا إليه . ويقوى ذلك عليهم في الإرادة جدا ، فيجرهم تجويز التعري عن القول وضده إلى تجويز تعري الحيّ عن السمع وضده ، والبصر وضده ، والقدرة وضدها . ثم القول عندهم من صفات الأحياء ، فلزمهم أن لا يجوزوا التعري عنه وعن ضده ، كما لم يجوزوا ذلك فيما